العكاز الملكي...

العكاز الملكي…

  • مـــــريــــة   مــــكريـــم
  • كتب يوم السبت 08 ديسمبر 2012 م على الساعة 23:40

لأننا ننتج الشائعة أكثر من التحليل، ونبحث في الخواء عن الرسائل المشفرة، ونركب التكهنات أكثر من الاستشراف، ونحمل الصورة والنظرة وحركات اليد أكثر من طاقتها، لأننا كل هذا في دفعة واحدة، راكم تاريخنا السياسي كماً هائلا من النظريات والدراسات التي لم تتضح صحتها ولو مرة واحدة، نستمتع بها لحظة إنتاجها، تم نهملها لنمر إلى شائعة أخرى وخواء آخر وتأويلات مغايرة…. تمريرها بهذا الاستسهال لا يعمل سوى على إعادة إنتاجها، مما يستوجب الانتفاض ضد هذا السلوك الذي لا يخدم الارتقاء بالتنظير السياسي في هذا البلد،وهو ما يجب أن ننتصر له، عبر التصدي لواقعة أسالت المداد الكثير في الأيام الأخيرة، بما يفيد تحولها لهذا السلوك التحليلي، المرتبط بالإشاعة والخواء وتحميل الصور ما لا تستحمله… كانت واقعة ظهور الملك بعكاز طبي من طينة هذه الأحداث، وما تبعها من تحاليل واستشراف تندرج فيما سبق، مما استوجب معالجة هذا الحدث، وفق منظور تصحيح الرؤية للحدث السياسي… أولا، لم يسبق هذا الظهور أي بيان أو بلاغ، سواء من القصر الملكي عبر ناطقه الرسمي الجديد، ولا عن طريق الحكومة التي يرأسها الموظف العمومي الكبير، السيد بنكيران، وإذا كان صمت السيد المريني مفهوما، لانتمائه للمدرسة القديمة في تدبير البرتوكولات الملكية، وحرصه الشديد على جعل حياة القصر أكثر تكتما، لما يضفيه ذلك من هيبة ووقار في نفوس المواطنين، فإن صمت الحكومة غير مبرر إذ أنها لم تصدر بيانا يعلن إصابة رئيس الدولة بهذا العطب، بل تعاملت مع الحادثة كأنه عادي، وواجبة الوقوع… البرلمان بغرفتيه، مجلس النواب ومجلس المستشارين، لم يكلفا نفسيهما عناء عقد جلسة استثنائية، يشرحان فيها سبب هذه الحادثة، بل لم يكلفا نفسيهما عناء تخصيص دقائق معدودة في آخر جلستاهما من أجل الدعاء بالشفاء للملك البلاد وتعاملوا معها كأنها حادثة عادية الوقوع… في الدول الديمقراطية، تكون صحة رؤساءها ( سواء المنتخبين، أو الملكيين)، موضوع اهتمام شعبي، وتصدر بشأنها البيانات والبلاغات، بل وقد يجري تنبيه الرئيس للاعتناء بصحته ولزوم سرير الراحة إلى حين شفاءه، من منطق أن شخصه هو ملك لجميع الشعب وليس له وحده…. ما وقع عندنا يستلزم أكثر من وقفة لفهم العقل السياسي المغربي، وكيفية اشتغاله… الملك يصر على مزاولة نشاطه في تدشين وزيارة مشاريع، ما كان تأجيلها سيضر لا بسيرها العادي، ولا بأجندته… بل كان له، في استثمار جميل لما أتى به دستور البلاد الجديد، تفويض رئيس الحكومة، موظفه الكبير، السيد بنكيران، لتدشين هذه المشاريع، ويوفر على نفسه تعب الحركة من جهة، وعلى المشهد السياسي كل اللغط الذي أثارته هذه الحادثة… بعض المسؤولين اعتبروا أن في إصرار الملك على التحرك وهو في هذه الحالة، رسالة إلى الطبقة السياسية، مفادها أن الحوادث والمرض لا يعيقان الإنسان المسؤول في أداءه لعمله، وحتى ونحن نعتقد أنها رسالة خاطئة ولا معنى لها، في إطار يشيد بالحكامة ودولة الحق والقانون، فإننا نسجل أنه لا أحد من هؤلاء المسؤولين التقط الرسالة، وصدم أصابع قدمه بحجرة صماء، واتخذ عكازا خشبيا له سندا في مسيرته…سلوك سيحاسبون عليه حتما… وفي الأخير، الشعب الفاغر فمه في الحدث الجلل، لا ينتبه إلى قيمة المشاريع التي يزورها ويدشنها الملك، وفي هذه الغفلة قراءات متعددة، لعل أكثرها مكرا، أن المقصود من هذه التدشينات هي إعادة ترتيب صورة الملك لدى العامة، في حرب لا معنى لها ضد صورة موظفين آخرين، أي بنكيران وشباط وغيرهم ممن احتلوا المشهد الإعلامي وشدوا الانتباه إليهم أكثر من انتباه الشعب لصورة الملك…مما يعطي انطباعا سيئا على قيمة هذه المشاريع من الناحية الاجتماعية… في الأخير لا يسعنا سوى تمني الشفاء العاجل لرئيس الدولة، لحاجتنا الدستورية والقانونية له… هذا لشفاء لن يتأتى سوى بالخلود إلى الراحة عقب كل حادثة….. نجاه الله ونجانا وإياه من ألم الحوادث.

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة