آلية الإنزال | فبراير.كوم | موقع مغربي إخباري شامل يتجدد على مدار الساعة

آلية الإنزال

  • مـــــريــــة   مــــكريـــم
  • كتب يوم الأحد 09 ديسمبر 2012 م على الساعة 20:33

التظاهر الذي حصل هذه المرة، في 25 نونبر 2012، من أجل غزة، جرى بشكل مختلف عما كان يجري به الأمر في الماضي خلال المسيرات الكبرى من أجل فلسطين والعراق ولبنان. لم يطل الاختلاف الظروف النفسية التي جرى فيها التظاهر فحسب، بل مس أيضاً الظروف التنظيمية.   المسيرات الكبرى، الخاصة بالمواضيع المشار إليها، كانت في الماضي :   – تجري من حيث التوقيت في قلب زمن الحدث، أي أثناء سريان العدوان على غزة أو لبنان أو العراق؛   – تجري في إطار مسيرة واحدة وطنية؛   – تعرف تَصَدُّرَ قادة « الأحزاب الوطنية الديمقراطية » والحركة الإسلامية والنقابات صفوف المسيرة، وتوليهم مهمة التعبئة لإنجاحها، والمشاركة بممثلين عنهم في عمليات التحضير والإعداد وتوفير شروط ومتطلبات التظاهر. أمَّا ما يُسمى تقليدياً بـ « الأحزاب الإدارية »، فلم تكن، في الأغلب الأعم، تعتبر نفسها معنية بهذا النوع من التظاهر الذي ترى فيه خدمة لأهداف سياسية تتناقض مع مصالحها، ولا تتلقى توجيها من أعلى بضرورة المشاركة، ولا تفرض على أعضائها تعلم أصول هذا النوع من العمل، وتُقَدِّرُ أنه لا يدخل ضمن المهارات التي يجب أن تتوفر في هؤلاء الأعضاء؛   – تخضع لقدر من تأثير أعضاء اللجنة التنظيمية وبعض الرموز السياسية والحقوقية والمدنية في توجيه مسارها وضبط إيقاعها وحل المشاكل « الميدانية » التي تظهر خلال المسيرة. صحيح أن هذا التأثير بدأ يضعف تدريجياً، ولكنه لم يختف؛ فأحياناً تنبثق عن المسيرة مجموعات منفصلة عن الباقي، لها منطقها الخاص وشعاراتها الذاتية وطريقتها في التضامن مع ضحايا العدوان، إلا أن بعض العقلاء المعروفين يذرعون المسيرة جيئة وذهاباً، على أمل فرض نوع من التناغم بين المجموعات والمكونات المختلفة، بدون جدوى أحياناً، ولكن بدون استسلام مطلق لليأس من إمكان نجاح مسعاهم؛   – تُخَلِّفُ لدى جزء كبير من الرأي العام والملاحظين المحليين والأجانب انبهاراً بقدرة الحركة الإسلامية على التعبئة والتجنيد البشريين ورص الصفوف وفرض انضباط أعضائها وأنصارها للشعارات والطقوس والحركات المقررة من طرف تلك الحركة؛   – تعرف امتناع أجهزة الدولة عن التدخل لتعبئة المواطنين مباشرة من أجل المشاركة. تتولى تلك الأجهزة تقديم بعض التسهيلات للمنظمين أحياناً إذا طلبوها، وتتجنب افتعال عراقيل أو صعوبات كبيرة لإفشال المسيرة، مع محاولة التقليل من أثرها السياسي، وتسويق صورة عن المسيرة تتفادى إبراز « سيطرة الإسلاميين ».   أما بالنسبة إلى التظاهر الذي تم يوم 25 نونبر تضامناً مع غزة، فقد عرف، على العموم، بعض « المستجدات » الدالة والمظاهر المختلفة عن تلك التي كان التظاهر من أجل « القضايا القومية » يتم في ظلها، وعلى الخصوص من خلال العناصر التالية :   أولاً- التظاهر هذه المرة جرى بعد أن توقف العدوان وحصلت الهدنة وظهر أن الفلسطينيين سجلوا حاليًا نقطاً إيجابية لصالح قضيتهم. توقيت التظاهر المشار إليه جعل أن الهدف لم يعد هو الضغط من أجل توقيف العدوان، وسهَّل بالتالي بروز رسائل أخرى وَجَّهَتْهَا العديد من الأطراف التي خرجت إلى الشارع صباح الأحد 25 نونبر، إلى من يهمه الأمر.   جماعة العدل والإحسان والمنظمات الحقوقية وأحزاب « اليسار الراديكالي » ركزت في شعاراتها على وقف كافة أشكال التطبيع وضرورة إصدار قانون بتجريمه. وفي نفس الوقت، حاولت الجماعة، كعادتها، إبراز قوتها ومحاولة تقديم نفسها كأول وأضخم مكون معارض وكرقم لا يمكن تجاوزه في أية معادلة سياسية للتغيير في البلاد، وأرادت التأكيد على أن مغادرتها لحركة 20 فبراير لا تعني انتقالها إلى مرحلة رفض جميع أشكال العمل المشترك أو تسليمها المطلق والنهائي بفكرة الثورة الإيديولوجية الخالصة، بل إن ما رافق مشاركة العدل والإحسان في مسيرة الدار البيضاء من « روح تعاونية » مع « الأطراف الأخرى » يعطي الانطباع، ربما، بأن الجماعة لن تغلق الباب إلى الأبد في وجه احتمال العودة إلى العمل جنبا إلى جنب مع تلك الأطراف، في إطار حركة 20 فبراير أو في إطار حركات أخرى؛   ثانيا- التظاهر جرى عبر مسيرتين : واحدة بالدار البيضاء، والأخرى بالرباط. مسيرة العاصمة تقررت وأُعلن عنها قبل مسيرة البيضاء، ولكن الأطراف الداعية إلى مسيرة العاصمة الاقتصادية قدَّرت أن مسيرة الرباط ذات طابع « مخزني ». وهنا يُطرح التساؤل التالي : هل يُستمد هذا الطابع من مخزنية الجهات الداعية إلى المسيرة أم من وصول أخبار مؤكدة تفيد بعزم المخزن على النزول في الرباط؟ إن المعروف أن مجموعة العمل الوطنية لدعم العراق وفلسطين هيأة مستقلة ولم يُسجل عليها الانخراط في أجندة رسمية أو خدمة أطراف في السلطة؛ والأصل أن دعواتها للتظاهر مفتوحة في وجه جميع المغاربة، وليست لديها وسيلة لمنع مشاركة فئة منهم، إضافة إلى أن الذين، ربما، تَلَقَّوْا معلومات عن نزول المخزن المرتقب في العاصمة، كان يجب ألا يغيب عنهم أيضاً نيته في النزول كذلك بالدار البيضاء، وهو ما حصل فعلاً؛   ثالثا- أصبحت رموز أحزاب اليمين « الإداري » لا تتردد في النزول إلى الشارع، انطلاقا من حرص، طارئ اليوم، على ألا يبقى الشارع حكراً على الأحزاب والحركات الأخرى، وألا يقع تحت « سيطرة المتطرفين ». لكن الواقع الملموس، حتى الآن، يؤكد أن أحزاب اليمين، المشار إليه، لا تمتلك أية قوة بشرية منظمة ذات حوافز نضالية حقيقية؛   رابعا- كانت مسيرتا 25 نونبر الأكثر ارتجالا من بين كل المسيرات الكبرى السابقة، ولم يكن أي طرف قادر على التحكم فيهما أو تحديد مصيرهما ومسارهما. لقد كان الأمر، عملياً، أشبه بمسيرات داخل كل من المسيرتين، وكان الضعف التنظيمي بارزاً، ولم تتمتع أية جهة بسلطة معنوية للإشراف على سير المظاهرتين وتأطيرهما. في الماضي، كان ممثلو الفعاليات المشاركة يجتمعون ويحددون قواعد تدبير المسيرة، ويبلغون بها تنظيماتهم، ويسهرون جماعياً على احترامها، إلا أن الأمور تطورت، فيما بعد، في اتجاه التحلل من أي التزام، وهو ما بلغ مداه في مسيرتي 25 نونبر؛   خامسا- عوض أن تمثل مشاركة الإسلاميين وحدها الحدث الأبرز في المسيرة، ظهر اليوم أن الحدث اللافت والأبرز كان له وجهان وليس وجها واحداً، وتمثل في شكلين للمشاركة : مشاركة العدل والإحسان ومشاركة « المخزن ». هذه الثنائية هي العلامة المميزة للمسيرتين الأخيرتين؛   سادسا- أكدت المصادر الصحفية المتنوعة أن أجهزة السلطة عبأت للمشاركة، في وقت قياسي، عدداً من جمعيات الأحياء والتنظيمات المهنية والرياضية والثقافية والاجتماعية – وخاصة تلك المستفيدة من برامج المبادرة الوطنية للتنمية البشرية – وأشرفت مباشرة على نقل آلاف المواطنين إلى مكاني التظاهر. انتقلت الدولة، إذن، من وظيفة « التسهيل » إلى وظيفة « التنظيم »، وقدمت بعض التغطيات الصحفية تفاصيل مثيرة في الموضوع، فجاء في إحداها مثلاً : « جنبات المسيرة أثثها أشخاص بسحنات ومظاهر بدوية، كانوا يقلبون النظرات ذات اليمين وذات الشمال. « حنا عاكالو لينا تعالو راه كار غادي للرباط، وكلشي فابور. كلنا علاش ما نمشيوا حتى احنا نعاونوا خوتنا في فلسطين، يقول أحد القادمين من « سيدي رحال ». » وجاء في تغطية أخرى : « جانب آخر سيكشف عنه هذا الفاعل الجمعوي، هو أنهم ينتظمون في شبكة جمعيات الأحياء ومختلف مجالات العمل الجمعوي، وصارت لهم قدرة على التفاعل أكثر مع كافة القضايا، وأن الداخلية كانت ذكية عندما استثمرت لمدة 5 سنوات، وهي مدة عمل المبادرة الوطنية للتنمية البشرية التي ساعدت هذه الجمعيات ودعمتها وصارت الآن تستعملها كجيش احتياطي في مواجهة المكونات السياسية التي تعاكس توجهات الدولة ». والأكثر إثارة أن عدداً من اليافعين الذين جيء بهم رفعوا بعض شعارات العدل والإحسان !.   كانت الدولة تلجأ، في مناسبات وأعياد وطنية وزيارات رسمية، إلى تنظيم احتشادات ومواكب للمواطنين. وكان التظاهر من أجل قضية الصحراء المغربية أو ضد الإرهاب يشكل موضوعاً لتعاون عضوي وثيق بين أجهزة الدولة والأحزاب والنقابات والجمعيات، ولكن انتقال الدولة إلى طرف « متظاهر » في الشارع العام في « المسيرات الكبرى » هو تمرين بدأ في سياق حركية مضادة لـ 20 فبراير، ثم قي سياق تأييد دستور 2011، وصولاً إلى التضامن مع غزة.   هل أصبحت الداخلية، أمام النزول الكثيف لجماعة العدل والإحسان، تجد نفسها مجبرة على سد النقص الذي تخلفه الأحزاب الموالية، والقيام بـ « إنزال مضاد » حتى في مظاهرات لم تكن الدولة هي الداعية إليها؟ لقد سبق تجريب آلية الإنزال في الانتخابات عندما تحل بمكاتب التصويت في الساعات الأخيرة أفواج المصوتين المكلفين بممارسة عملية « الردم »، واليوم أصبحنا نشاهد نوعًا ثانيًا من الإنزال البشري، لا تخطئ العين الأفراد الذين تم استقدامهم في إطاره، فهم يظهرون مثل لاعبين بزي موحد، إذ يحملون مواد مطبوعة من طرف جهة واحدة. هل يرتبط الأمر بمتطلبات الإعداد للانتخابات الجماعية المقبلة أم بمتطلبات الإعداد لمعارك قادمة تحتاج إلى تعزيز صف الموالاة في مواجهة نسائم الربيع الديمقراطي؟ هل يتعلق الأمر بمحاولة للتأكيد على أن صورة النظام لم تهتز، وعلى أن الظروف الحالية لم تؤثر على ولاء الناس له، وأن تلك الصورة تظل أقوى من الشعبوية وغضب المسحوقين وعدوى الانتفاضات؟   هل يحمل نزول المخزن إنذاراً إلى حركة 20 فبراير لصدها عن أية فكرة للعودة من جديد إلى الشارع؟   لماذا لم تتغير في العمق وظائف الداخلية وعقليتها وتقاليدها، رغم الدستور الجديد وحكومة بنكيران، ولماذا تصر على استمرارها في لعب دور فاعل سياسي؟   هل تمثل بعض الجمعيات المستفيدة من برامج المبادرة الوطنية للتنمية البشرية نواة حزب فعلي غير معلن؟   إن الإنزال الذي يتم بواسطته تجنيد مواطنين عاديين في المظاهرات بشكل مرتب من طرف الدولة يطرح جملة من المشاكل الحقيقية، فهو يعبر أولاً عن طريقة في التعامل مع المواطن تفتقر إلى الحد المطلوب من الاحترام، وتُعتبر وجها للتحكم وجزءاً من آليات التسخير التي تعتمدها الأنظمة الشُمولية، فضلاً عن كون الدولة -من الزاوية الحقوقية– هيئة اعتبارية محايدة، تمثل الجميع، وليست طرفاً سياسياً، فهي لا تتظاهر ولا تُضْرِبُ ولا تَنتخب ولا تُنتخب؛ كما يُطرح إشكالٌ متعلقٌ بكلفة هذا الإنزال وخرق قواعد الحكامة في صرف المال العام، إذ لا تتضمن بنود الميزانية العامة باباً في تمويل قيام رجال السلطة بإشراك المواطنين ماديًا في مسيرات سياسية.  

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة