«البام» وضرورة النقد الذاتي

«البام» وضرورة النقد الذاتي

  • مـــــريــــة   مــــكريـــم
  • كتب يوم الأربعاء 12 ديسمبر 2012 م على الساعة 20:05

البعض منزعج من التصريحات الأخيرة للسيد رئيس الحكومة أمام مجلس المستشارين، والحقيقة أنها ليست المرة الأولى التي يقدم فيها عبد الإله بنكيران تشخيصه للحالة السياسية، التي كانت عليها البلاد قبل الربيع العربي، وليست المرة الأولى التي يستحضر فيها السيناريو التراجعي الذي كانت تعيشه البلاد في السنوات الأخيرة، وهو السيناريو التحكمي الذي كانت تتجه فيه البلاد نحو هيمنة حزب سياسي مدعوم من طرف الإدارة، للاستحواذ على مفاصل الدولة ومختلف مؤسساتها، في تنسيق تام مع مخططات التنمية من الفوق قصد إنتاج معادلة معروفة، وهي «معادلة التنمية بدون ديموقراطية».. ستظل طبيعة النشأة التي خضع لها حزب الأصالة والمعاصرة تلاحقه دائما، وهي نشأة غير طبيعية تندرج في سياق محاولة الهيمنة على المشهد الحزبي ومواجهة العدالة والتنمية بالدرجة الأولى.. فبعدما فشل في الإعلان عن نفسه في صيغة اتحاد حزبي، بعد انسحاب حزب القادري وحزب الوزاني وحزب العلمي، الذين تبين لهم بعد احتكاكهم عن قرب بهذه التجربة أنها  تحمل مخططات غير نبيلة، تمر عبر ابتلاعهم ثم التخلص منهم في أقرب فرصة ممكنة، جاءت نتائج الانتخابات الجماعية لسنة 2009 لتطرح الكثير من التساؤلات حول مستقبل الديموقراطية في المغرب وحول مستقبل الأحزاب السياسية.. فقد كرس حصول حزب سياسي لم يمض على تأسيسه سوى ثلاثة أشهر على الرتبة الأولى نظرية «الديموقراطية المهندسة»، واستراتيجية التحكم الثابتة في الانتخابات المغربية بطرق مختلفة… كانت هناك تخوفات حقيقية، لدى جميع الديموقراطيين، بأن هذا الحزب يمثل خطورة على مستقبل الديموقراطية في المغرب، هذه التخوفات ليست نابعة من قوة هذا الحزب، على المستوى الميداني، ولكنها كانت نابعة من كونه يمثل تحالفا هجينا بين «مبعوث الدولة إلى الحقل الحزبي»، وبين جزء من اليسار المتشبع بثقافة انتهازية واضحة، وبثقافة الإقصاء، ولم يتمرس على ثقافة الاختلاف والتعايش مع المنافسين، ويضمر عداء فطريا للمخالفين، وبين جزء من أصحاب الأموال والأعيان الذين يسعون لتحصين مصالحهم الاقتصادية وثرواتهم المادية عن طريق تحصيل مقاعد تمثيلية، في المجالس البلدية أو في البرلمان… هذه التجربة لم تكن صادرة عن رؤية فكرية صلبة، يمكن أن تحاكم على أساسها، ولا تتوفر على مرجعية سياسية حقيقية تحكم سلوكها السياسي. لقد تابع الجميع كيف أن بعض مراكز النفوذ تسللت إلى الحقل الحزبي، مستعينة بأدوات الدولة، وبمختلف أشكال الدعم اللوجيستيكي والإداري والإعلامي، لتنخرط في استراتيجية إعادة هيكلة الحقل الحزبي، انطلاقا من أدوات غير سياسية تقوم على أسلوبين لا ثالث لهما: الأسلوب الأول، وهو أسلوب جذب طبقة من الأعيان، وأصحاب الثروة الذين لا يهمهم إلا تحصين مصالحهم وامتيازاتهم، وطبقة أخرى من الانتهازيين الذين يسعون إلى المجد بأقصر طريق، وهذا أسلوب جرى العمل به في العهد السابق، قصد استمالة الأعيان، وأصحاب المصالح لمحاصرة أحزاب الحركة الوطنية ومناضليها، لكن الأسلوب الثاني المعتمد من طرف مهندسي الوافد الجديد هو أسلوب غير مسبوق في التاريخ الحزبي المعاصر، إنه أسلوب المافيات المنظمة التي توظف جميع المعطيات المتوفرة لديها للضغط على شخصيات بعينها، من أجل تعزيز صفوف الحزب الإداري الجديد، وتغذيته بنخبة من السياسيين الذين يجري ترحيلهم، قسرا، من أحزابهم الأصلية، بواسطة أسلوب الضغط والتهديد بكشف أسرارهم الخاصة وأشياء أخرى.. اليوم، انتهى هذا الأسلوب، وتركناه وراءنا بعد رياح الربيع العربي، ولا أحد سينازع في حق مجموعة من الناس في حقهم في التنظيم السياسي، لكن بالمقابل هناك حاجة أخلاقية وسياسية لكي يقوم حزب الأصالة والمعاصرة بنقد ذاتي حقيقي، ولكي يطهر صفوفه من بعض الأشخاص الذين طبعوا مساره السياسي بأسلوب المافيات.. آنذاك سيتخلص من العقدة التي تلاحقه منذ النشأة، وستظل تلاحقه مادام لم يحدث القطيعة الضرورية بين مسار النشأة ومستلزمات الاندماج في مرحلة الربيع العربي.. هذه نصيحة صادقة من شخص يؤمن بأن كل شيء ممكن في السياسة.. شريطة توفر المصداقية الأخلاقية أولا، والوضوح مع الذات ثانيا..

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة