هل خرجنا من الازدواجية الدستورية؟

هل خرجنا من الازدواجية الدستورية؟

  • مـــــريــــة   مــــكريـــم
  • كتب يوم الأربعاء 12 ديسمبر 2012 م على الساعة 15:50

إلى حدود سنة 2011، ظلت الممارسة الدستورية في المغرب محكومة بازدواجية مريبة بين الدستور المكتوب والدستور غير المكتوب، إلى درجة دفعت إلى التساؤل حول ما إذا كان وجود وثيقة دستورية يعني بالضرورة أن المغرب يحكم بدستور مكتوب. هذه الإشكالية ارتبطت بالفصل التاسع عشر، وأساسا بالمكانة التي كان يحتلها في الهندسة الدستورية، وبالتأويلات التي خضع لها في واقع الممارسة. فأمام إخضاع منطوق هذا الفصل لتأويل يجعل مقتضياته تخول للملكية صلاحيات ومهام، جرى تكريس وجود دستورين، أحدهما «ضمني» والآخر «صريح»، أو «دستور واحد بطابقين». حيث أصبح هذا الفصل يعد «عماد الدستور»، و»حجر الزاوية فيه»، والأكثر من ذلك فإن «التحليل العميق لمقتضياته أصبح إحدى مهام القانون الدستوري المغربي». وهذا الأمر أدى في الواقع العملي إلى جعل الملك فوق الدستور، ومكنه، بالتالي، في بعض الحالات من تعويض مؤسسات أخرى، بما فيها المؤسسة التشريعية، في مجال اختصاصاتها الدستورية الصريحة. بيد أن هذا التأويل ظل يواجه بعض الاعتراض، العلني أحيانا والمضمر أحيانا أخرى، من لدن بعض القوى السياسية. فهذه الأخيرة، وإن «لم يسبق لها، على المستوى النظري، أن عارضت مبدأ حضور السلطة الملكية في جميع الميادين، فإنها اجتهدت في وضع حدود لذلك الحضور وفي تقديم اقتراحات في موضوع اقتسام الصلاحيات والسلطات..». هذا الاعتراض سيتخذ بعدا جديدا، في ارتباط بما بات يعرف بـ»الربيع العربي» وتداعياته مغربيا (حركة 20 فبراير)، حيث أصبحت مطالب معظم الأحزاب السياسية، أكثر تعبيرا عن معارضتها لمبدإ الحضور الشامل للسلطة الملكية، وتدخلها في جميع الميادين. وأضحينا، بالتالي، أمام مطالب صريحة بضرورة تغيير هذا الفصل وإعادة النظر في المكانة التي ظل يشغلها في الحياة السياسية والدستورية. فإلى أي حد كان لهذه المطالب صدى في الوثيقة الدستورية؟ من نافلة القول إن دستور 2011 لم يتجاهل المطالب المطروحة في هذا المجال، حيث أدخلت على الفصل التاسع عشر تعديلات شكلية وأخرى جوهرية، يمكن تحديدها فيما يلي:    أولا، تغيير رقم هذا الفصل وإعادة ترتيبه في بنية الوثيقة الدستورية. وهذا الترتيب الجديد، وإن كان يبدو إجرائيا وفرضته بالأساس كثافة المقتضيات التي تضمنها البابين الأول والثاني المخصصين، على التوالي، لـ»المبادئ العامة» و»الحريات والحقوق الأساسية»، فإنه يبقى ذا قيمة رمزية، وقد يزيح من الأذهان «الثقل المعنوي» الذي كان يمثله ذلك الفصل في الحياة السياسية المغربية. ثانيا، إعادة النظر في طبيعة هيكلته، حيث لم تعد مقتضياته متضمنة في فصل واحد بل أضحت موزعة على فصلين، أحدهما (الفصل 41) خصص لـ»الملك أمير المؤمنين»، أما الثاني (الفصل 42) فقد أفرد ل»الملك رئيس الدولة»، أو «الملك الدستوري». فالصفة الأولى تجعله منه «حامي حمى الملة والدين، والضامن لحرية ممارسة الشؤون الدينية»، و»رئيس المجلس العلمي الأعلى»، وبصفة عامة احتكار كل ما يتعلق بالشؤون الدينية. بينما تخوله الصفة الثانية أن يكون «الممثل الأسمى للدولة، ورمز وحدة الأمة، وضامن دوام الدولة واستمرارها، والحكم الأسمى بين مؤسساتها»، فضلا عن «السهر على احترام الدستور، وحسن سير المؤسسات الدستورية، وعلى صيانة الاختيار الديمقراطي، وحقوق وحريات المواطنين والمواطنات والجماعات، وعلى احترام التعهدات الدولية للمملكة». ثالثا، إعادة النظر في الوضعية السابقة التي كانت تجعل من الملك، وليس البرلمان، هو «الممثل الأسمى للأمة». إذ علاوة على أن الفصل 42 من الدستور الجديد قد جعل من «الملك ممثلا أسمى للدولة»، وليس للأمة، فقد تعزز هذا المنحى من خلال تأكيد الفصل الثاني من نفس الدستور على أن «السيادة للأمة تمارسها مباشرة بالاستفتاء، وبصفة غير مباشرة بواسطة ممثليها». رابعا، وأخيرا، محاصرة الصلاحيات والاختصاصات التي يخولها للملك الفصل 42، إما بمقتضيات تضمنها نفس هذا الفصل، خاصة عندما يشير إلى أن «الملك يمارس هذه المهام بمقتضى ظهائر من خلال السلطات المخولة له صراحة بنص الدستور»، أو بمقتضيات تضمنتها فصول أخرى من الدستور، ويبرز هنا بصفة خاصة الفصل 70، الذي يؤكد على أن «البرلمان يمارس السلطة التشريعية». وهذا ما قد يوحي بأن الملك لم يعد مسموحا له توظيف هذا الفصل للتدخل في اختصاصات وصلاحيات المؤسسات الأخرى، وبالتحديد المؤسسة التشريعية. بيد أن التعديلات التي أدخلت على هذا الفصل، إذا كانت قد عكست الصدى الذي كان للمطالب المعبر عنها في هذا الشأن في صلب الوثيقة الدستورية الجديدة، فإنها لا تبدو كافية لوضع حد لإشكالية «الفصل التاسع عشر»، وللقطع مع عهد الازدواجية الدستورية التي ميزت الممارسة الدستورية والسياسية في المراحل السابقة، ولم تضمن، بالتالي، الانتقال بكيفية واضحة من «ملكية فوق الدستور» إلى ملكية مؤطرة بالدستور ومحكومة بنصوصه ومقتضياته… فمن جهة أولى، فإذا كان الفصل التاسع عشر السابق يعطي للملك مهاما وصلاحيات بناء على تأويل معين للدستور لجأت إليه الملكية في ظروف معينة، ففي ظل الدستور الجديد هناك تنصيص صريح على أن الفصلين 41 و42 يمنحان للملك صلاحيات ومهام فعلية. فالأول ينص صراحة على أنه «يمارس الملك الصلاحيات الدينية المتعلقة بإمارة المؤمنين، والمخولة له حصريا بمقتضى هذا الفصل، بواسطة ظهائر»، مما يعني أن الملك قد أضحى محتكرا بنص الدستور للحقل الديني بما في ذلك صلاحية التشريع  في هذا المجال. أما الثاني، فيشير هو كذلك إلى أنه «يمارس الملك هذه المهام (المقصود المهام التي يعددها هذا الفصل في الفقرة الأولى منه)، بمقتضى ظهائر من خلال السلطات المخولة له صراحة بنص الدستور».    ومن جهة ثانية، فإن المقتضيات الدستورية التي توحي بـ»تقنين» و»دسترة» اختصاصات الملك، التي تمت الإشارة إليها من قبل، قد لا تبدو حاسمة في بلوغ هذا الهدف. وهناك سببان، على الأقل، يبرران مثل هذا الاستنتاج: السبب الأول، يكمن في أن دستور 2011 عندما يؤكد على أن «الملك يمارس هذه المهام بمقتضى ظهائر من خلال السلطات المخولة له صراحة بنص الدستور» لم يحمل جديدا على هذا المستوى، خاصة عندما نعلم أن  نفس هذا التأكيد كان موجودا في الدستور السابق، وبالضبط في الفصل 29 منه، الذي كان يشير هو الآخر إلى أنه «يمارس الملك بمقتضى ظهائر السلطات المخولة له صراحة بنص الدستور»، دون أن يمنع ذلك الملك من توظيف الفصل التاسع عشر في الاتجاه الذي حوله إلى ما يشبه «دستور فوق الدستور».. السبب الثاني، أن الدستور الجديد ترك بعض البياضات التي لا يستبعد معها اللجوء إلى تأويل للفصلين المذكورين في الاتجاه الذي يسمح للملك بملئها. والمثال الواضح على ذلك سكوت الدستور عن الجهة التي ستتولى مهمة التشريع في الفترة الفاصل بين حل البرلمان وانتخاب برلمان جديد، إذ ليس هناك ما قد يمنع من اعتماد تأويل معين للفصل 42، وبصفة خاصة الفقرة التي تجعل الملك «ضامنا لدوام الدولة واستمرارها..»، من أجل تبرير ممارسة الملك لهذا الاختصاص.   ويمكن أن نضيف إلى ذلك مثالا آخر يتعلق بالحالة التي قد يفشل فيها رئيس الحكومة المعين في الحصول على الأغلبية التي تمكنه من تشكيل حكومته، إذ إن تجاهل النص الدستوري لمعالجة هذه الوضعية يترك المجال للملك للتصرف، مستندا في ذلك على نفس التأويل السابق لمقتضيات الفصل 42.    ومن جهة ثالثة، ما يؤكده واقع الممارسة الجارية بعد دخول هذا الدستور حيز التطبيق. فما أن إخذنا نبتعد عن أجواء «الربيع المغربي» حتى أضحت تظهر بعض المحاولات التي تعيد إلى الأذهان الممارسة السابقة التي كرسها الفصل التاسع عشر، وتؤشر على بداية استعادة الفصل الشهير لحيويته في حقل الممارسة السياسية التي يؤطرها الدستور الجديد. والوقائع التالية تبدو جد معبرة في هذا المجال:   أولا، الطريقة التي جرى بها تعيين بعض كبار المسؤولين، وبصفة خاصة مستشاري الملك ورؤساء المؤسسات التي يضعها الدستور أو اجتهادات المجلس الدستوري ضمن خانة المؤسسات «المستقلة» (الرئيس الأول للمجلس الأعلى للحسابات، ورئيسة الهيأة العليا للاتصال السمعي البصري). ففي ظل سكوت النص الدستوري على من يملك سلطة التعيين في هذه المجالات، تولى الملك القيام بهذه المهمة بصفة مباشرة، مما يرجح القول إن الملك قد استعمل «سلطاته الضمنية»، حتى مع إحجام ظهائر التعيين عن الإشارة إلى أي سند دستوري لهذا التعيين. قد يقال إن هذه التعيينات تمت بناء على القوانين المنظمة للمؤسسات المذكورة، بيد أن العودة إلى ظهائر التعيين يبرز أن هذه الأخيرة لم تشر أيضا إلى أي سند قانوني. ثانيا، عقد جلسات عمل مع بعض المسؤولين الحكوميين والأمنيين والإداريين في غياب رئيس الحكومة، والأكثر من ذلك أن يترتب عنها صدور قرارات ذات طابع تنفيذي وإداري (فتح تحقيق في ممارسات بعض موظفي الدولة واعتقالهم..)، مع أن الدستور قد أضحى يعطي للحكومة حق «ممارسة السلطة التنفيذية»، كما جعل «الحكومة تعمل تحت سلطة رئيسها».  

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة