«العدل والإحسان» والامتحان الصعب

«العدل والإحسان» والامتحان الصعب

  • مـــــريــــة   مــــكريـــم
  • كتب يوم الإثنين 17 ديسمبر 2012 م على الساعة 22:18

بعد وفاة مرشدها المرحوم عبدالسلام ياسين، تجد جماعة «العدل والإحسان» نفسها في مواجهة خيارين لا ثالث لهما. الخيار الأول هو متابعة مسيرتها بالثبات على المواقف الفكرية والسياسية نفسها، مع تصريف ذلك على أنه تعبير عن الوفاء لتاريخ التنظيم ورموزه، ودليل على شجاعة أدبية والتزام بالمبادئ. الخيار الثاني هو القيام بوقفة مع الذات وتحقيق مراجعة للأفكار والمناهج التي يتبناها التنظيم. الجماعة نشأت قبل ثلاثين عاما، وخلال هذه الفترة تغيّرت الكثير من الأحوال والمعطيات بما يستوجب، ولو من باب اليقظة وحسن التدبير، عادة تقييم المسلمات الفكرية والمواقف للتأكد من سلامتها ومن مدى توافقها مع المرحلة.   مراجعة الذات تمرين فكري طبيعي ويومي في بيئة سليمة. هي كذلك بمقاييس الدين وبمقاييس المنطق والعقل. كل نسان، أيا كانت عقيدته ومستواه وثقافته وسلوكه، هو أبعد ما يكون عن الكمال، لأن الكمال لله وحده…والمفروض أن كل نسان، ذا كان يمتلك قليلا من الحكمة والتواضع، سيسعى دائما وأبدا لى مراجعة الذات أملا في تجاوز النقائص في فكره وسلوكه وعمله. وبذلك يرتقي نحو الأفضل ويتطلع لى الكمال ولو أن الكمال لا يُدرك…المفارقة أن مراجعة الذات، التي هي «تمرين طبيعي» بمقاييس الدين والمنطق، صارت أمرا عسيرا ومسلكا مريبا في عرف هذا الزمان. حتى أن الفرد الذي يبادر لى مراجعة ولو جزئية لقناعات ومواقف نشأ عليها ورافقته طيلة حياته، يجب أن يتمتع بشجاعة خارقة كي ينجح في مسعاه. وذا كان الفرد يشقّ عليه أن يقتنع بينه وبين نفسه على أنه ربما مخطئ في كذا أو مقصّر في كذا، وعليه أن يبحث عن الأفضل، فالأمر أكثر صعوبة بالنسبة لتنظيم أو جماعة. العرف القائم يجعل دعوة أي عضو في التنظيم لى مراجعة الذات وتقييم الأفكار والمواقف ما خطوة في مبادرة مشبوهة أو علامة على التخاذل وقلة الوفاء. هذا الموقف ليس مقتصرا على التنظيمات السلامية، بل يهّم كافة التيارات والهيئات، فالكل ينهل من الثقافة نفسها. من يجرأ مثلا في حزب «الأصالة والمعاصرة» على المطالبة بمراجعة الأسس الفكرية والسياسية للحزب بعد ما لحقه من تراجع يهدّده بالاندثار؟ المؤكد أن لا أحد من أعضاء الحزب امتلك الجرأة لذلك، ون كان من «شجاع» قال بذلك، فكلامه كان صيحة في واد. بعد فترة من الصمت والمهادنة فرضتها موجة «الربيع العربي» والدستور الجديد والانتخابات التشريعية، عاد حزب «الأصالة والمعاصرة» لى سابق عهده. حزب أبعد ما يكون عن تقديم نموذج ديمقراطي داخلي، وأعجز من نتاج أفكار ومبادرات، وأضعف من أن يقدم برامج سياسية واقتصادية للمغرب. تنظيم يختزل مشروعه وبرنامجه في سطر واحد هو مناوشة حزب «العدالة والتنمية».   أمام جماعة «العدل والإحسان» تحد حقيقي هو أن تستشعر حجم المسؤولية ودقة المرحلة، وتستجمع شجاعتها لتراجع أفكارها ومواقفها. الزمن غير الزمن والمرحلة غير المرحلة. لعل أكثر من يعي اليوم التفاوت بين القناعات الفكرية والمسلمات التي عاشت بها الحركات السلامية دهرا من الزمان وبين الواقع هي حركة «الخوان المسلمين» في مصر. هذا التنظيم السلامي هو الأقدم في العالم العربي وهو المرجع الفكري لأغلب التنظيمات السلامية التي ظهرت تباعا في الدول العربية. التجربة المصرية أثبتت أنه رغم نفوذ «الخوان المسلمين» في الشارع المصري، فن ثورة (أو «قومة» حسب أدبيات «العدل والإحسان») 25 يناير 2011، لم تكن من نجاز هذا التنظيم. وحين وصلوا لى الحكم تعاقبت أخطاؤهم السياسية وهم بعدُ في بداية المشوار، حتى أن المصريين اليوم نسوا هموم التنمية والمشكلات الاقتصادية لينشغلوا بمشاكل الاستقرار والأمن. فهل هذا هو تحقيق «مقاصد الشريعة»؟ البلد يجتاز اليوم مرحلة بالغة الخطورة وينحدر نحو الأسفل، و»الفضل» في ذلك يعود لى «الخوان» الذين هم مقتنعون بأنهم دائما على حق وغيرهم على باطل. فتلك قناعة راسخة لا تتزعزع منذ سبعين عاما.   جماعة «العدل والإحسان»، كما كثير من الحركات السلامية، تعيش التباسا كبيرا، هو الخلط بين الدعوة والسياسة. الدعوة لى الدين أمر مشروع له مجاله، وهي مهمة يقوم بها فرد أو جماعة لنشر فضائل اليمان والأخلاق في المجتمع. أما السياسة، فهي أمر مشروع كذلك، لكن لها مجال آخر. السياسة تُعنى بتدبير الدولة والمجتمع، وهي تتطلب أدوات فكرية وعملية لبناء المؤسسات والنظم والقوانين والاقتصاد والتنمية، بما يحفظ الاستقرار ويضمن الحرية والكرامة للجميع ويحقق التقدم، أي بمفهوم أهل الفقه تحقيق «المصالح المرسلة» للناس. هذا يتطلب تضافر جهود الساسة والمفكرين والخبراء وكل القوى الحية في المجتمع، كما يتطلب الكثير من الجد والكفاءة والكثير الكثير من الاجتهاد. «الخوان المسلمون» قفزوا على هذه الحقائق واليوم يكتشفون بمرارة أن حساب الحقل لا يوافق حساب البيدر كما يقول المثل. المؤسف أن كل مصر تدفع الثمن اليوم.  إذا كانت جماعة «العدل والإحسان» تريد ممارسة السياسة، فعليها تأسيس حزب سياسي. غير أن المهمة الأصعب في هذا الخيار ليس هو الحصول على وصل التأسيس من وزارة الداخلية، بل وضع وتنفيذ تصور متكامل يرفع اللبس عن أي خلط غير صائب بين الدين بالسياسة، مقرونا بالكف عن رفع شعارات طوباوية من قبيل الحديث عن «الخلافة»، ويقدم مشروعا جديدا وبديلا جديا لتحقيق التنمية والتقدم. الانخراط في العمل السياسي يفرض على الجماعة إعادة النظر في موقف المقاطعة للمؤسسات، فالتغيير يكون بالمشاركة والتدرج كما يفتي به الدين وكما
 يقول المنطق.

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة