القوانين والسلطة التأويل والفهم!

القوانين والسلطة التأويل والفهم!

  • مـــــريــــة   مــــكريـــم
  • كتب يوم الإثنين 17 ديسمبر 2012 م على الساعة 22:20

في مسرحية « العيّال كبرت» أبدى الفنان يونس شلبي ـ بطأطأة من رأسه ـ موافقة وامتداحا لما يقوله الخطيب أحمد زكي، فلمّا نهره أخوه الفنان سعيد صالح متسائلا: ـ لم تطأطئ رأسك؟ هل أنت فاهم؟ أجابه: كلهم يفعلون ذلك. هل هم فاهمون ما يقال؟ وعندما أمر الخليفة والِيَهُ ـ بمناسبة زيارة مرتقبة للمدينة ـ أن يهيئ للوفد الزائر مأكلا ومبيتا إلى آخره، لفت انتباهه ـ أثناء الزيارة ـ بأحد أنحاء القصر المنيف كوكبة من النساء في أحلى زينة فسأل الوالي: ـ من هؤلاء؟ ـ تلعثم الوالي وقال: ـ سيدي: هؤلاء النساء هن «إلى آخره» التي أمرتني بها!!! هذا فَهْمٌ متعدد في مناحي حياتنا، فدرجة الاستيعاب والفطنة تتراوح بين نقطة البلادة إلى الذكاء الحاذق، مرورا بالمكر والدهاء والزيادة والنقص، حتى لقد قيل إن أصل حكاية الرسم التشكيلي هو إعجاب أحد المولعين برسم غير تام للفنان بيكاسوا!! صار الفهم بهذا المستوى سنّة محمودة إزاء عدد لا يستهان به من المبادرات، فانعدام الإدراك أو نقصانه أو افتعال حسن الفهم ساهم في اختلاف واضح في الشرح والتعليل والتطبيق، وغالبا مَا يجتمع أكثر من عقل وغريزة في استكناه المقصود من معطى غامض، فيفسد الأكل بكثرة الطباخين!!! أحيانا يحلق الفهم في علو غير متكافئ بين طرفين غريبين عن المجال الذي يوجدان فيه، وهو ما وقع لأستاذ مبرز في المالية العامة ورئيس لجنة والإقتصاد عندما كان يشرح معنى « القيمة المضافة»، فتناول أحد النواب الكلمة معقّبا وبدأ يتحدث عن الشاحنات والعلف والبنزين وكيف تضيع حقوق الناقلين، فلم يحر الرئيس جواباً وظل ينظر إليه بذهول!!! هنا يكمن سر فشل القوانين، ويأس المشرعين على مر الزمان، استهلك هؤلاء طاقتهم الإبداعية لإتقان عملهم، وعلى الطرف المقابل شبت وترعرعت فئة المخاطبين بنصوص القانون لتستهلك بدورها فهمها الماكر في تعطيل المقاصد وتحريف الغايات وتمييع التصاميم، فيعود الكل بخفي حنين، ويظل كل مجال متأجج غير فاعل مهما تنوعت المبادرات بشأنه، فإجهاضها في المهد منتهي الرجاء، ولذلك أضحى لكل قانون رسمي قانون فعلي مضاد، المشرع في الأول جهاز منظم قانونا، والمشرع في الثاني جهاز فوضوي يسعى إلى تكريس الأوضاع المائلة!!! يفهم المرء بالقدرات التي يملكها، فإذا ما ألح الموظف على ضرورة استكمال الوثائق لأداء الخدمة العامة فهم المواطن من ذلك إصرارا منه على العرقلة لغاية في نفس يعقوب، وهذا ضرب من الفهم السائد في معظم الإدارات بوجه عام!! وقد تقل درجة الفهم إلى ما دون الصفر، ومثال ذلك اعتقاد أحد المرشحين لاستحقاقات جماعية أن كلمة «شعبي العزيز» التي تتصدر الخطابات الملكية لازمة ضرورية في كل خطاب يلقيه المرء أمام الناس، فوقف خطيبا أمام أنصار حملته الانتخابية واستهل كلمته بقوله «شعبي العزيز» فتساقط الناس على بعضهم البعض من الضحك والسخرية!!! ومن عبث الأقدار أن يجلس مثل هذا الكومبارس الفاهم في مراكز اتخاذ القرار ببغاء مرددا بلا فهم ولا يحزنون!!! تقف وراء درجة الفهم عدة إرادات: ـ إرادة واعية، مدركة، موضوعية، ناقدة، تفسر الأمور بمعيار المنطق السليم وهي قلة قليلة لا تعتمد في تسيير دفة الأمور!!! ـ وإرادة متأخرة، ظلت لاهية غائبة إلى أن استفحل الداء، ومثالها إطلالة الرئيس التونسي السابق على شعبه بقولته الشهيرة: «فهمتكم». في الوقت الذي انتهى فيه كل شيء!!! وإرادة بليدة كإرادة البنائين الذين شيّدوا المنزل واختلفوا حول مكان وضع الباب، فشرع كل منهم في بناء باب الدار بالمكان الذي صادف هواه، فدك المنزل عن آخره، وهي إرادة نلمسها في محافل التصويت والاقتراع والاقتراح!!! وإرادة نفعية ماكرة مادحة تسيل لعاب القائمين على الأمور، وتلبس لكل حفل لباسه المنسجم مع طبيعته، فتفهم المعطيات بحسب المصلحة، وتقفز فوق الثغرات والمسام وتظهر الوجه القبيح جميلا، ولهذا الفهم نصيب الأسد في كل أمور حياتنا. ومثالها الفهم الزائد الذي جاء على لسان أحد الأطر القضائية الذي استهل مرافعته كممثل النيابة العامة بديباجة مشتملات الحكم القضائي المنصوص عليها في الفقرة الأولى من المادة 365 من قانون المسطرة الجنائية!!! وهناك إرادة شعبية غير واعية، يستعصي عليها الفهم السليم فتقتاد حيثما شيء لها بلا تفكير، وهي عملة جيدة وورقة رابحة في تكريس الأمية و الجهل، ولذلك عندما تقدم أستاذ جامعي لخوض انتخابات برلمانية إلى جانب أحد أفراد قبيلة معينة لم يطرق يوما مدرسة نجح هذا الأخير بنسبة عالية، وشهد الشارع الكبير مسيرة احتفالية ردد فيها المناصرون: ـ مُحَمَادْ نجح، والأستاذ قبضته الرياح!! أما أخطر الإرادات فهي المتكومة داخل الإدارات والمرافق والمؤسسات العمومية والشركات، فئة بشرية تجس نبضات المسؤولين وتعي جيدا ما يريدون وما لا يريدون، تتحرك بأزرار مضبوطة، وتفضي حوائج الناس، وتشتهر بأسمائها داخل الإدارات، وغالبا ما تجد هذه الفئة حلولا لما يستعصى حله لو تقدم صاحب المصلحة بقضيته إلى المسؤول عن المرفق رأسا وطبقا للقانون !! هذه الفئة هي أول من تفهم روح القوانين والمناشير والدوريات وخلجات وسكنات المسؤولين، وتستطيع أن تحرّفها وتعيد صياغتها كي تبقى كما كانت بلا مستجدات فتعيق مصالح الناس وتبتز ذممهم!!! إذا كان الوالي قد فهم من كلمة «إلى آخره» التي جاءت على لسان الخليفة أمرا باستقدام الحسناوات من النساء، فإن أحد مديري جريدة وطنية ذات صيت أعطى للعون الواقف بباب مكتبه مبلغ مائتي درهم قائلا: إشتري لي من السوق بعض الرغائف «َبَغْريرْ» ليفاجأ المدير بثلاثة صحون مملوءة عن آخرها بالرغائف فقد اشترى العون مائتي درهم من الرغائف بمعدل ثلاثين سنتيما للواحدة. وهذا هو منتهى الفهم!!!   

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة