الإخوان يكرهون الثقافة؟

الإخوان يكرهون الثقافة؟

  • مـــــريــــة   مــــكريـــم
  • كتب يوم الجمعة 28 ديسمبر 2012 م على الساعة 22:42

يسألنى من ألتقى بهم من المثقفين المصريين عن مستقبل الثقافة المصرية فى ظل النظام الإخوانى القائم فأقول لهم: علمى علمكم! ولكن انظروا لما قدمه الإخوان حتى الآن من فكر وفن وشعر ونثر، وراجعوا ما قالوه عن الثقافة وما فعلوه بالمثقفين حتى قبل أن يستولوا على السلطة لتعرفوا ما الذى يستطيعون أن يقدموه أو يفعلوه فى المستقبل.   ولكى نصل إلى جواب واضح نقارن فى البداية بين ما قدمته الأحزاب والجماعات السياسية الأخرى وما قدمه الإخوان المسلمون، وأنا هنا لا أرجع لإحصاءات وإنما أكتفى بالأمثلة.   فى حزب الوفد، وفى المناخ الثقافى والسياسى الذى صنعه وأشاعه فى البلاد، ظهر عشرات من الأدباء والفنانين فى مقدمتهم عباس محمود العقاد، وطه حسين، ومحمد مندور، وعزيز فهمى. وفى الأحرار الدستوريين ظهر أحمد لطفى السيد، ومحمد حسين هيكل، وعلى عبدالرازق، أما عن الذين ظهروا فى الأحزاب والمنظمات اليسارية من الكتاب والشعراء والفنانين فحدِّث ولا حرج: عبدالرحمن الشرقاوى، ويوسف إدريس، وكمال عبدالحليم، وإبراهيم عبدالحليم، وعبدالرحمن الخميسى، وفؤاد حداد، وصلاح جاهين، ومحمود أمين العالم، وعبدالعظيم أنيس، وعلى الراعى، وألفريد فرج، وميخائيل رومان، وصنع الله إبراهيم، ومحمود توفيق، ولطيفة الزيات، وفاروق عبدالقادر، وحسن فؤاد، وزهدى، ومحسنة توفيق، ومحمد حمام…   فمن هم كتاب الإخوان؟ ومن هم شعراؤهم؟ ومن هم فنانوهم؟   لا أذكر إلا اسماً واحداً لرجل كان كاتباً وشاعراً فى بدايات حياته، حتى اتصل بهذه الجماعة وانخرط فى صفوفها فاعتزل الشعر والنثر، بل أصبح حرباً على الشعر والنثر وعلى الإبداع الأدبى والفنى بكل صوره، وصار منظراً للجماعات الإرهابية يساند الانقلاب، ويبرر الطغيان، ويكفِّر المجتمع، وهو سيد قطب.   ولقد يرد الإخوان قائلين: إن المواهب والأسماء التى قدمتها الأحزاب الأخرى نشأت فى ظروف طبيعية، أتاحت لها أن تظهر وتجد مكانها وتمارس دورها، أما نحن فقد كنا فى معظم الأحيان معرضين للقمع والاضطهاد، محرومين من النشاط والاتصال بالجمهور.   ونحن نعرف أن الإخوان تعرضوا فى بعض المراحل لاضطهاد شديد، لكنهم مارسوا نشاطهم فى مراحل أخرى بصورة طبيعية، فضلاً عن أنهم لم يكونوا وحدهم فى المراحل التى تعرض فيها النشاط السياسى للمنع والمطاردة.   الإخوان بدأوا نشاطهم عام 1928، وظلوا يمارسون هذا النشاط بصورة علنية حتى اندفعوا فى طريق الإرهاب فأصدر النقراشى، رئيس الوزراء، قراره بحل جماعتهم عام 1948، وبين التاريخين عشرون عاماً توالت فيها حكومات الأقليات الحزبية: حكومات إسماعيل صدقى، وتوفيق نسيم، ومحمد محمود، وعلى ماهر التى شجعت الإخوان أعداء الوفد والديمقراطية وتغاضت عن تجاوزاتهم التى وصلت إلى ما وصلت إليه فى أربعينيات القرن الماضى حين شكلوا تنظيماتهم الإرهابية، وأخذوا يتدربون على استخدام السلاح، واغتالوا رئيس الوزراء أحمد ماهر، ووزير المالية عثمان أمين، والمستشار أحمد الخازندار، ورئيس الوزراء محمود فهمى النقراشى.   ونحن نعرف أن الإخوان استأنفوا نشاطهم بعد سنوات قليلة، بل كانوا الجماعة الوحيدة التى لم تتعرض للحل بعد انقلاب يوليو 1952، الذى شارك فيه الإخوان وساندوه وانفردوا فى ظله بالنشاط العلنى فى الوقت الذى منعت فيه بقية الأحزاب من ممارسة أى نشاط، حتى اصطدموا بحلفائهم فتعرضوا للاضطهاد على يد عبدالناصر وأجهزته إلى أن جاء السادات فأطلق سراحهم وسلطهم على خصومه وخصومهم فانتهزوا الفرصة وتحالفوا مع النظام فى ضرب الناصريين واليساريين واستطاعوا فى عهد السادات وعهد خليفته أن يمارسوا نشاطاً سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وإعلامياً واسعاً استخدموا فيه المساجد، والمدارس، والجامعات، والإذاعات، والصحف، وتمكنوا بذلك من الحصول على ما يقرب من تسعين مقعداً فى برلمان الرئيس المخلوع، وأن يصبحوا بهذه المكاسب التى حققوها أكبر قوة سياسية معارضة، ويشاركوا بها فى السلطة التى صاروا ظلا لها، حتى اشتعلت الثورة واستطاعوا أن يقفزوا عليها وأن يختطفوها بالاتفاق مع المجلس العسكرى من أصحابها الشرعيين.   هكذا نرى أن جماعة الإخوان المسلمين كانت أطول عمراً من أى جماعة وأى حزب سياسى آخر، فلها من التاريخ الذى ظهرت فيه حتى الآن أكثر من ثمانين عاماً، لم ينقطع فيها نشاطها حتى فى الوقت الذى كان فيه الآلاف من أعضائها خلف القضبان، على حين اختفت وتراجعت الأحزاب الأخرى، فإذا كان الإخوان قد تعرضوا للاضطهاد الوحشى فى أيام عبدالناصر، فقد تعرضت الأحزاب الأخرى لاضطهاد مماثل، لكن هذا الاضطهاد لم يمنع هذه الأحزاب، خاصة الشيوعيين، من أن يقدموا للثقافة المصرية هذا الإبداع الحافل المتنوع.   فإذا كان الإخوان المسلمون لم يسهموا بأى نصيب فى الثقافة المصرية فهل تركوا الثقافة المصرية فى حالها؟!   لا وإنما كان موقفهم من الثقافة هو موقف كل الأحزاب والجماعات المماثلة لهم فى العالم.   كل الأحزاب التى حولت الدين إلى سياسة، أو حولت السياسة إلى دين تكره الثقافة، وتضطهدها، لأنها تكره العقل وتخشاه، وتكره الحرية وتضطهدها وتنفرد بالسلطة، وتفرض نفسها على الناس، وتعتبرهم رعية تؤمر فعليها أن تسمع وتطيع، وليس لها حق فى أن تعترض أو تخالف أو تفكر أو تعبر.   السلطات الدينية فى العصور الوسطى فى الغرب المسيحى والشرق الإسلامى اضطهدت الكتاب والشعراء والعلماء والفلاسفة، وصلبتهم، وقطعت أطرافهم، وعلقتهم فى المشانق، وألقت بهم فى المحارق، وفى هذا نذكر ما حدث لعبدالله بن المقفع الذى قتله والى الخليفة العباسى المنصور بصورة بالغة التوحش. ونذكر ما حدث للحلاج، والسهروردى، وما حدث لابن حنبل، ولأبى حنيفة، وابن رشد من المسلمين، ونذكر ما حدث لسافونا رولا الذى أحرقته الكنيسة الكاثوليكية فى فلورنسا، وجوردانو برونو الذى أحرقته فى روما. وما حدث لجاليليو الذى كاد يلقى هذا المصير لولا أنه تراجع فى اللحظة الأخيرة عما أعلنه حول مركزية الشمس ودوران الأرض حولها.   وقد رأينا فى العصور الحديثة ما لقيه الأدباء والشعراء والفنانون على أيدى الغوغائيين المنحطين الذين حولوا الأفكار السياسية إلى عقائد دينية كالنازيين والفاشيين وأمثالهم من أعضاء الأحزاب الشيوعية التى وصلت إلى السلطة على دبابات الجيش الأحمر.   النازيون صادروا أعمال المثقفين المعارضين من أمثال الشاعر بريخت والكاتب توماس مان، واعتبروا التجديد انحلالاً، وأشعلوا النار فى الكتب واللوحات التى لم تخضع لمقاييسهم ومن ذلك الحريق الذى أشعلوه أمام أوبرا برلين وألقوا فيه بمؤلفات أكثر من مائتى كاتب وشاعر ألمانى التهمتها النيران على صيحات الجماهير المتحمسة!   والذى صنعه النازيون فى ألمانيا صنعه الشيوعيون فى روسيا وأوروبا الشرقية، وصنعه الفاشيون فى إيطاليا وإسبانيا والبرتغال وصنعه البعثيون فى سوريا والعراق، وصنعه القذافى فى ليبيا، وهؤلاء نسخ عربية من الفاشيين الأوروبيين.   ولا ينتظر بالطبع أن يختلف موقف الإخوان المسلمين أو أى جماعة تخلط الدين بالسياسة أو تظن امتلاكها دون غيرها الحقيقة – لا ينتظر أن يختلف موقف هذه الجماعات من الثقافة عن موقف الفاشيين والنازيين منها. وقد تابعنا ما تعرضت له الثقافة والمثقفون على أيدى الوهابيين، والخمينيين، والترابيين، والحماسيين، فرأينا هؤلاء لا يختلفون عن أولئك. وإذن فليس من المنتظر أن يختلف موقف الإخوان المسلمين من الثقافة عن موقف هؤلاء وهؤلاء، وليس هذا توقعاً أو استنتاجاً، وإنما هو واقع عشناه معهم واختبرناه.   الإخوان المسلمون لم يتركوا إنجازاً واحداً أو قيمة من القيم التى عرفناها فى نهضتنا الحديثة إلا أعلنوا الحرب عليها. كل ما قدمه زعماء النهضة ابتداء من اكتشافات روادها الأوائل حتى الشعارات التى رفعها ثوار يناير يرفضه الإخوان ويتجاهلونه أو يزيفونه، ويزعمون مع هذا أنهم أصحاب الثورة!   كل ما بشَّر به الطهطاوى واقتبسه من أفكار الفرنسيين وعلومهم وفنونهم، وكل ما اجتهد محمد عبده فى فهمه وإحيائه واستنباطه من التراث العربى الإسلامى، وكل ما نادى به أحمد عرابى ومصطفى كامل، وسعد زغلول، وكل ما دعا له قاسم أمين وأحمد لطفى السيد وعلى عبدالرازق، وكل ما أضافه وجدد فيه طه حسين والعقاد وهيكل وتوفيق الحكيم وسلامة موسى ونجيب محفوظ ولويس عوض مرفوض ومتهم ومدان عند الإخوان المسلمين.   تاريخ مصر ابتداء من الأسرة الفرعونية الأولى إلى الفتح العربى، مروراً بمصر المسيحية غير مذكور عندهم وغير معترف به، ومصر ذاتها بالنسبة للإخوان ليست أكثر من ولاية فى خلافتهم الإسلامية التى يريدون إحياءها رغم أنف قوانين التاريخ وسنن الطبيعة. والوطنية بالنسبة لهم عدو للوحدة الإسلامية. والمواطنة بالتالى لا معنى لها، لأن الدين هو أساس الانتماء وليس الوطن. إذن فالمسلمون فى مصر أمة، والمسيحيون ذميون وأمة أخرى خاضعة للمسلمين، والإسلام دين ودولة، والفصل بين الدين والدولة كفر وإلحاد. والديمقراطية خروج على الإسلام، لأن الحكم فيها للشعب وليس لله، والشرائع الوضعية سواء كانت دساتير أو قوانين كفر أيضاً، لأن القرآن هو الدستور، وأحكام الشريعة هى القوانين، والفن لهو، واللهو حرام، والحرية ضلال وانحلال لأن المسلم لا يجب أن يُترك لنفسه أو لعقله وإنما عليه أن يمتثل لولى أمره. وكما أن الذمى لا يتساوى مع المسلم لأن عقيدته فاسدة، فالمرأة لا تتساوى مع الرجل لأنها ناقصة عقل ودين!   وأنا هنا أنقل من شعارات الإخوان وألخص كلامهم المنشور وأرجع لمواقفهم التى وقفوها من السياسة والسياسيين ومن الثقافة والمثقفين، بل أرجع لما سطروه وزوّروه فى دستورهم الذى يستطيع القارئ أن يعود إليه ليرى الدليل على ما أقول.   ثم إننى أعود خمسة وسبعين عاماً للوراء أقلب طرفى فى ذلك الحلم الرائع الجميل الذى ختم به طه حسين كتابه «مستقبل الثقافة فى مصر» فأقرأ قوله: «أنا فرح إلى أقصى غايات الفرح، مبتهج إلى أبعد حدود الابتهاج، سعيد إلى أرقى درجات السعادة، لأنى أرى شجرة الثقافة المصرية باسقة قد ثبتت أصولها فى أرض مصر، وارتفعت فروعها فى سماء مصر، وامتدت أغصانها فى كل وجه فأظلت ما حول مصر من البلاد وحملت إلى أهلها ثمرات حلوة فيها ذكاء للقلوب وغذاء للعقول وقوة للأرواح»، أقرأ كلمات الأستاذ العميد وأسأله بعيون مغرورقة وصوت محتبس: سيدى العميد كيف ترى مستقبل الثقافة الآن؟!

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة