فرنسا والجزائر : من يعتذر لِمن؟

فرنسا والجزائر : من يعتذر لِمن؟

  • مـــــريــــة   مــــكريـــم
  • كتب يوم الثلاثاء 25 ديسمبر 2012 م على الساعة 22:22

حرص الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند على وصف زيارته إلى الجزائر بأنها «استثنائية بكل المقاييس»، وهو حرص قبل ذلك على أن تكون أول زيارة له إلى المغرب العربي بعد توليه منصب الرئاسة الى الجزائر، بينما أجل زيارته إلى المغرب إلى العام المقبل. ليس مصادفة أنه أرسل وزيره الأول لتمثيله في حفل تدشين الترامواي بالدار البيضاء، رغم أن المشروع هو مشروع اقتصادي مغربي ـ فرنسي مهم، ورغم أن قواعد البروتوكول تقتضي حضور رئيس الدولة الفرنسية بجانب الملك محمد السادس. لكن لا لوم على الرئيس الفرنسي، فمثل هذه القرارات في تفضيل الوجهة الجزائرية على الوجهة المغربية – ولو أن القرار رمزي – تخضع لمعايير المصالح السياسية والاقتصادية أولا وليس لاعتبار آخر. الجزائر تملك البترول والغاز وفرصا اقتصادية كبرى، ولها جالية في فرنسا أكبر عددا تتجاوز المليونين. أما المغرب، فرغم أوراقه الرابحة الكثيرة إلا أنها لا تكفي لمنافسة الجزائر في ميزان السياسة الفرنسية. مهما يكن، فالرئيس فرانسوا هولاند حافظ على موقف صريح ومتوازن خلال زيارته، وأعلن أن قضية الصحراء من اختصاص مجلس الأمن، كما دعا الى فتح الحدود بين المغرب والجزائر.    في خطابه أمام البرلمان الجزائري أقر فرانسوا هولاند بمعاناة الشعب الجزائري خلال حقبة الاحتلال، كما أعلن أن الاستعمار نظام «ظالم وعنيف»، وطالب بالبحث عن «الحقيقة» في كل ما يتصل بالحرب في الجزائر. في سابقة من نوعها، أعلن الرئيس الفرنسي عن مواقف جريئة، ربما بدافع أخلاقي، ربما لمصلحة سياسية واقتصادية، وربما لكلا السببين معا. فرنسا سعت على لسان رئيسها إلى مداواة الجراح العميقة التي خلفها الاستعمار الفرنسي في نفوس الجزائريين، أملا في تحقيق تقارب بين الطرفين، وطي صفحة الماضي، وفسح الطريق لبناء علاقة جديدة. لكن المبادرة الفرنسية لم تذهب لحد تقديم اعتذار رسمي كما كان يأمل البعض في الجزائر. من الصعب التسليم بأن مطلب الاعتذار أمر مبرر ومشروع، سواء من زاوية الأخلاق أو السياسة. هل هو منطقي أن يتحمل الفرنسيون تبعات ما اقترفه آباؤهم بالأمس؟ علما أن فرنسا اليوم هي غير فرنسا الحقبة الاستعمارية. يكفي للتذكير أنه يوجد في الحكومة الفرنسية الحالية وزير ووزيرة من أصل جزائري، فضلا عن وزراء آخرين يرمزون إلى التعددية والمساواة. الجزائر بلد المليون  شهيد، أي أن الاستعمار الفرنسي الذي دام 132 عاما كلف ما معدله 7575 ضحية كل عام، بينما الحرب الأهلية في الجزائر بين 1990 و 1998 كانت أكثر ضراوة بحصيلة مائة ألف قتيل في ثمان سنوات، أي بمعدل 12500 ضحية كل عام. إذا كان الأشقاء الجزائريون لم يعتذروا لبعضهم البعض عن حصيلة الحرب الأهلية، فكيف يمكن مطالبة فرنسا بالاعتذار عن حرب الجزائر؟    بعض الجزائريين يقولون إن ألمانيا قدمت اعتذارا وتعويضات للدولة الفرنسية عن احتلالها لفرنسا خلال الحرب العالمية الثانية، وبذلك يحق للجزائر أن تطالب فرنسا بالاعتذار وحتى التعويض عن فترة احتلالها للجزائر. لكن هذا تحليل عاطفي بعيد عن الواقع، لأن انتزاع موقف الاعتذار رهين بموازين القوة، وليس بأحقية هذا الطرف أو ذاك. ألمانيا اعتذرت لأنها انهزمت في الحرب العالمية الثانية، بينما كانت فرنسا في صف الحلفاء الذين انتصروا. هذا الوضع لا يسري على العلاقة بين الجزائر وفرنسا…بعد الموقف الذي عبر عنه الرئيس الفرنسي، لا داعي للتوقف كثيرا عند قضية الاعتذار. الأقرب إلى الصواب هو طي صفحة الماضي بما لها وما عليها، وفتح صفحة جديدة عمادها الصداقة والتعاون لما فيه مصلحة الجزائر وفرنسا.    إن كان من أمر تحتاج فرنسا إلى مراجعته اليوم، فهو طبيعة العلاقات مع دول الجنوب، وخصوصا مستعمراتها السابقة. لا يمكن أن تستمر العلاقات على قاعدة عدم التكافؤ وفقط من أجل مصالح اقتصادية ضيقة. في خطابه أمام البرلمان الجزائري، اعترف الرئيس الفرنسي بأن فرنسا تنكرت لقيمها خلال الحقبة الاستعمارية. وهذا صحيح، فالعالم يحتاج إلى «عولمة القيم» حتى تصير الديمقراطية والحرية والمساواة متاحة لشعوب البلاد النامية كما هي متاحة لشعوب البلاد المتقدمة. على الساسة الفرنسيين أن يدركوا أن الحرص على مستقبل فرنسا رهين بالحرص على تدعيم القيم الإنسانية المشتركة في كل بلاد العالم، وبالدفاع المخلص عن الديمقراطية وحقوق الإنسان والحريات في كل مكان، بعيدا عن الانتهازية وإرادة الهيمنة.    في المغرب، لا يمكن إلا أن ندعم أي تقارب فرنسي- جزائري لما فيه مصلحة الشعبين، ولكل ما يمكن أن يدعم الاستقرار والتنمية في منطقة المغرب العربي. غير أن هذا لا يمنع من تسجيل مفارقة مثيرة. كيف للأشقاء في الجزائر الحرص – وهو أمر مشروع – على علاقات قوية مع فرنسا رغم الماضي الأليم بينهما، بينما لا يحرصون بالقدر نفسه على علاقات وثيقة مع بلد شقيق وجار هو المغرب؟ الأكيد أن المغرب يحق له مطالبة الجزائر بالاعتذار 
عن هذا الموقف!

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة