ليس عقيماً.. بل شرير!

ليس عقيماً.. بل شرير!

  • مـــــريــــة   مــــكريـــم
  • كتب يوم السبت 12 يناير 2013 م على الساعة 11:30

لو أن الجدل الذى دار فى الأيام الأخيرة بين من حرّموا على المسلمين تهنئة المسيحيين بعيدهم، ومن حللوا التهنئة، ومن أجازوها على مضض، لو أن هذا الجدل دار فى مناخ سياسى صحى ينشغل فيه المصريون بمشاكل حياتهم الحقيقية الخاصة والعامة، أو لو أنه فى مقهى ريفى بين أفراد جماعة مغلقة، أو فى كوميديا مقلوبة من مأساة «أهل الكهف»، لما التفتنا له ولا توقفنا، فإن تمهلنا قليلاً بالقرب منه فلكى نسمع ونضحك، ثم نواصل السير ونسرع الخطى لنستأنف نشاطنا اليومى المعتاد، ونكسب رزقنا، ونواجه مشاكلنا، لكن هذا الجدل الذى لا أسميه جدلاً عقيماً كما اعتاد الناس أن يصفوا ما لا يحبونه ويضيقون به من الثرثرة الفارغة، فالعقيم هو من لا ينجب ولا يلد، أما هذا الذى نحن بصدده فجدل شرير قاتل ينجب الشر ويلد الفتنة، لأنه يدور ولا يزال يدور حتى الآن فى مناخ ملبد متوتر انقسم فيه المصريون بعضهم على بعض، وتواترت فيه حوادث التضييق على المسيحيين والاعتداء على أشخاصهم وعلى أبنائهم وبناتهم بالقول والفعل، وعلى حقوقهم السياسية والمدنية، وعلى منازلهم ومتاجرهم وكنائسهم بما لا أحتاج للتذكير به أو للحديث عن وقائعه بالتفصيل، فهى متلاحقة ومذاعة ومتداولة منذ بدأت بالزاوية الحمراء فى السبعينيات الأولى من القرن الماضى إلى ما حدث بالأمس فى رفح والأقصر مما لا نتوقع له نهاية قريبة، لأن أسبابه لا تزال موجودة فاعلة. لقد تراجع النشاط الوطنى الذى كان يجمع بين المصريين على اختلاف دياناتهم ومذاهبهم، وكان يشد بعضهم إلى بعض خلال العقود الستة الماضية التى صودرت فيها حرياتهم وحقوقهم وزيفت إرادتهم، فلم يعد لهم حق فى تأليف حزب، أو إصدار صحيفة، أو حتى عرض مسرحية تنتقد السلطة ولو من بعيد، أو نشر رواية، يعترض عليها رجال الأزهر، وفى هذا المناخ الذى حرم فيه المصريون من التفكير والتعبير والمشاركة الإيجابية حلت بهم النكبات التى لم يكن لهم الحق فى التصدى لها ومحاسبة المتسببين فيها، ولم يجدوا لأنفسهم ملجأ يلوذون به إلا الاستغراق فى نوع من التدين كان لابد فى هذه الظروف أن يختلط بالسياسة، لأنه كان نوعاً من المقاومة السلبية للنظام، وكان تعبيراً عن شعور ساحق بالذل والعجز والقهر والهزيمة والفقدان، فمن الطبيعى أن يدفع الناس للانسحاب من الواقع ومن الحاضر والمستقبل، ويبعث فيهم الحنين لأيام الجهاد والفتح والانتصار على الأعداء، ويأخذ بعضهم إلى التطرف والعنف، ويضعف شعورهم بالانتماء الوطنى ويحبسهم داخل انتماءاتهم الدينية والمذهبية، خاصة وقد بدا الصراع العربى الإسرائيلى الذى توالت انفجاراته فى تلك المرحلة وانخرطت فيه مصر بقوة وخسرت فيه الكثير، هذا الصراع بدا للكثيرين صراعاً دينياً بين المسلمين من ناحية، وبين اليهود والغرب «المسيحى» من ناحية أخرى، وتلك هى النغمة التى ارتفعت فى سبعينيات القرن الماضى واستغلتها النظم التقليدية فى المنطقة بعد أن صارت غنية وقوية بالنفط، وصارت مصر فقيرة مهزومة، واستغلتها معها جماعات الإسلام السياسى التى استأثرت بالساحة فى غياب التنظيمات السياسية الأخرى وانفردت بالحركة، حتى فى الأوقات التى كانت فيها معرضة للمنع والمطاردة والاعتقال، لأنها لم تكن فى حاجة ماسة للنشاط العلنى، بل هى تخسر حين تنشط فى العلن، لأنها تصبح مضطرة لإقناع الناس بما لا يستطيع الكثيرون أن يقتنعوا به، وتصبح مضطرة لاحترام القانون الذى ترفضه وتخرج عليه وتلجأ للعنف والإرهاب، ولهذا تفضل العمل فى السر، وتستغل المسجد الذى لا تستطيع السلطة أن تغلقه أو تحكم مراقبته أو تميز فيما يدور فيه بين الدين والسياسة بعد أن اختلط أحدهما بالآخر، لا عن جماعات الإسلام السياسى وحدها، بل أيضاً عن السلطة التى كانت فى صراعها مع هذه الجماعات مضطرة للتظاهر بالتدين واستخدام الدين ورجاله فى ذلك حتى لا يفسر صراعها مع جماعات الإسلام السياسى وتنظيماته الإرهابية على أنه صراع مع الدين، وحتى تبدو فى نظر المصريين المتدينين حريصة على الإسلام حامية له، وربما لجأت السلطة الاستبدادية فى الدفاع عن وجودها وضمان بقائها إلى طلب التأييد من جماعات الإسلام السياسى ودفع المقابل، وهذا ما كانت هذه الجماعات تقبله وترحب به، لأنها تأخذ به من السياسة ما تعطيه من الدين، وقد رأينا كيف تم تعديل المادة الثانية فى دستور 1971 التى كانت تنص على أن مبادئ الشريعة مصدر رئيسى للتشريع، فجعلها برلمان السادات «المصدر الرئيسى» ليشترى بهذه الرشوة موافقة الإخوان على تعديل المادة السابعة والسبعين من هذا الدستور التى كانت تنص على جواز إعادة انتخاب الرئيس مدة أخرى، فأصبحت مدداً بلا عدد، ورأينا بعد ذلك كيف دفعت جماعة الإخوان المسلمين ثمن حصولها على عدد من المقاعد فى برلمان مبارك سنة 2005 مقابل سكوتها على النظام وتأييدها للتوريث، وهكذا خلا لها الجو، فهى وحدها المسموح لها بالنشاط والحركة فى ظل النظام القائم. ونحن ننظر فى العقود الأربعة الماضية فلا نرى نشاطاً سياسياً فاعلاً إلا نشاط هذه الجماعة وغيرها من الجماعات الإسلامية التى اخترقت كل المجالات، واستخدمت ما فيها ومن فيها، ولجأت إلى العنف والإرهاب، وسيطرت على مؤسسات التعليم، وغيرت المناهج، وتسللت إلى وسائل الإعلام، واشتغلت بالتجارة والصرافة، وحولت نصوص الدين إلى موسوعات فى الطب والفلك والكيمياء والطبيعة، وأعدت لكل شأن من شؤون الحياة الخاصة والعامة فتوى دينية، فلم يعد فى الدنيا شىء إلا وهو حلال أو حرام. أصبح ممنوعاً أن نتحدث عن الصواب والخطأ، وعن النافع والضار، وعن الصالح والفاسد، وعن الجيد والردىء، وعن الجميل والقبيح، وعن المعلوم والمجهول، وعن الممكن والمستحيل، والمنطقى والمجافى للمنطق. باختصار لم نعد فى حاجة لعلم، أو عقل، أو ذوق، أو إرادة، أو حرية.. استغنينا عن هذا كله واكتفينا بالفتوى.. نطلبها من العالم والجاهل، والهاوى والمحترف، نطلبها من هؤلاء ونعمل بها دون تفكير ودون اختيار. نسأل عن الفن حلال أم حرام؟ وعن الفوائد المصرفية.. وعن صوت المرأة.. وعن الختان.. ونسأل عن تهنئة المسيحيين بأعيادهم حلال أم حرام؟! وللحديث بقية

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة