لا يسير الأبطال تحت أقواس النصر

لا يسير الأبطال تحت أقواس النصر

  • مـــــريــــة   مــــكريـــم
  • كتب يوم السبت 12 يناير 2013 م على الساعة 21:47

جلست إلى مكتبى أمامى أوراق روايتى الجديدة، أشعر بنشاط فى الصباح بعد ساعة المشى بالخطوة السريعة، والسباحة نصف ساعة فى المياه الدافئة العميقة ثم الشاى الساخن أرشفه على مهل، مع قضمات هينة، من الفطيرة الصغيرة الخارجة من الفرن، أستقبل اليوم الجديد بسعادة مجهولة المصدر، كأنما النوم يغسلنى ويجلو عقلى، تصفو ذاكرتى وترق كالورقة الشفافة، أرى من خلالها مراحل عمرى وحياتى، تدب الحركة فى شخصيات روايتى، أستعيدهم بالكتابة، تعود وجوههم تطل من الورق، تقودنى عيونهم من سطر إلى سطر.   يسألنى الشاب الصحفى عن سر السعادة فى حياتى، أقول له الكتابة والقراءة، أعنى كتابة الرواية وليس أى كتابة، قراءة الأدب المبدع وليس أى قراءة إنها اللحظة الخارجة عن الكون، لحظة الإبداع، تضىء الخلايا المظلمة فى الذاكرة والعقل، تتهاوى جبال الخوف وتنفك عقدة اللسان، يتكلم الساكت والمسكوت عنه، وينطق اللامنطوق كأنما أولد من جديد، تغمرنى سعادة طفولية طاغية، تفوق سعادة الحب والجنس والصداقة والأكل والرياضة والنوم العميق فى ليالى الشتاء، أعود طفلة تصفق بجناحيها وتطير يخفق قلبها كالحب الأول، من أجل لذة الإبداع يمكن التضحية بزينات الدنيا والآخرة، تكتسح لذة الإبداع كل الأحزان والأفراح، لا يبقى إلا فرح واحد، يتألق تحت عينى فوق أوراقى، كلماتى وشخصيات روايتى خلقتها بإرادتى.   الكتابة الإبداعية هى حياتى، أشعر باستغناء كامل عما سواها، الأهل والأصدقاء والمال والشهرة والمناصب. يبدو التنافس على مقاعد البرلمان كصراع الديوك فى عشش الفراخ، عرش الرئيس الأمريكى وصندوق النقد الدولى وجائزة نوبل، هوامش تسقط أسفل الصفحة.   أستغرق فى الرواية أسبح فى البحر الدافئ.   أتوقف عن قراءة الصحف، أدرك أن السياسة تجهض الأدب والإبداع، تجهض الخيال والعقل والذاكرة والثورة أيضا.   أدرك أن الثورة لا علاقة لها بالسياسة، لا تعرف الثورة مناورات الأحزاب أو الطريق إلى الفضائيات.   لا يشترك أبطال الثورة فى الصفقات.   من قال هذه الأبيات؟   لا يسير الأبطال تحت أقواس النصر   لا تهتف الجماهير باسم البطل   يقوم البطل بعمله وينزف الدم   يمشى وحيدا فى ظلمة الليل   يركب سفينته إلى الشاطئ الآخر   ويختفى فى البحر   الثورات فى التاريخ لم يتنافس فيها بطل واحد على مقاعد الحكم أو البرلمان.   لم يحرر أعضاء البرلمان شعباً واحداً فى التاريخ   جميع الثورات قامت خارج البرلمان وخارج الأحزاب وخارح السياسة   مطالب الثورات تتركز فى كلمتين «إسقاط النظام» بأحزابه وبرلمانه   لم يصعد أبطال الثورة إلى الحكم فى التاريخ القديم والحديث   أبطال ثورة ١٩١٩ ليسوا هم الباشوات أعضاء الأحزاب الذين صعدوا إلى الحكم وهتفت لهم الجماهير، مات الأبطال على قضبان القطارات فى المظاهرات، أو وراء القضبان، أبطال ثورة ١٩٥٢ مات بعضهم فى القنال يحاربون الإنجليز، ومات بعضهم فى المعتقل أو جوف الجبل، أبطال ثورة ٢٠١١ مات بعضهم فى الشوارع والميادين والمعسكرات، ويعيش بعضهم حتى اليوم فى السجون، أو فى الظلمة بعد فقء العيون   أجلس إلى مكتبى وراء أوراق روايتى، لم أعد أقرأ الصحف، المقالات متكررة متشابهة، تتأرجح بين «لا» و«نعم»، الصورة هى الصورة فوق العمود فى كل العهود، الصراع هو الصراع حول المقاعد والقوائم الانتخابية.   التنافس هو التنافس على السلطة والثروة بعد كل ثورة؟   إن راجعتم التاريخ   تكتشفون أن أبطال الثورات لا يدخلون مجلس الشعب أو الشورى ولا يسيرون أبدا تحت أقواس النصر.

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة