حياة تحت أجهزة الرصد | فبراير.كوم | موقع مغربي إخباري شامل يتجدد على مدار الساعة

حياة تحت أجهزة الرصد

  • مـــــريــــة   مــــكريـــم
  • كتب يوم الجمعة 11 يناير 2013 م على الساعة 11:34

اذا استيقظت صباحا ونسيت تفاصيل الحلم الجميل أو الكابوس المرعب الذي رسمه عقلك الباطن في المنام ، لا تتحسر .. فأحلامك وكوابيسك وهواجسك وهمساتك مسجلة ومصورة بتقنية الأبعاد الأربعة، ومدونة في ملفات خاصة ،ومرفقة بهوامش استدلالية ، ومحفوظة في الأمان لدى الأجهزة التي تحرس الوطن الطيب من شر الشعب..   شعب يشبه أبطال رواية « 1984 » للكاتب البريطاني جورج أورويل .. شعب ، يحيا ويفنا تحت حراسة عيون الأخ الأكبر ومراقبة أجهزة الرصد..نحن مجرد نجوم فوق العادة لبرنامج مسلي من تلفزيون الواقع، نمر عراة مكشوفين أمام شاشات رصد حراس الوطن ، يتفرجون على خيباتنا ليل نهار، يتلذذون بعذاباتنا ، ويستمتعون بالتلصص على حميميتنا،يقيسون كل يوم درجة الولاء في أوردتنا، ومعدلات السكري و ضغطنا الدموي، ومنحى اتجاهاتنا الفكرية .. يحصون أنفاسنا وكم تنهدنا حسرة، وكم بسمة خانتنا ونحن نسخر من الحياة..   يتسربون داخل أنابيب عروقنا وثنايا أرواحنا ، يقتاتون من خطايانا وضعفنا ومتعنا المحرمة، تصرف عليهم أموال الشعب من أجل اصطياد الشعب وضبطه متلبسا بجريمة الفكر، أو جنحة الحلم ،أو جناية الزنى مع الحرية ..هاجسهم هو البحث عن فضيحة ، أية فضيحة.. فقد تفيد في تدمير الثائرين وقطف الرؤوس اليانعة ..   يسجلون أحاديثك التافهة في الهاتف ويجيبون أحيانا ..يسكنون بريدك الالكتروني ويقرأون رسائلك قبلك ، بنبشون في خواطرك ودعاءك ، ويفتشون بين السطور والمجاز والاستعارات عن أدلة لإدانتك .. ينتظرونك على عتبة الفايسبوك ،ليدونوا كم أحببت من صور المعارضين،ومن مررت على حائطه أكثر، ومن هنأتهم بعيد الميلاد ،ومن اقتسمت معهم أغاني ثورية .. يشربون معك قهوة الصباح ويقيسون درجة السواد، ويتلصصون على قطع السكر، وإذا شربت قهوتك مرة، يسجلون المعلومة في المحضر ويضعونها في خانة الخطر..   يعرفون عنك أكثر منك، يعرفون لون حلمك، وعنوان القبر، ورقم زنزانتك، و أين ستموت غدا، ويسبقونك لقدرك ليركبوا أجهزة التصنت.. يدخلون معك الى الحمام ، يحفظون تفاصيل جسدك وعيوبه التي تخفي،وعدد الشامات في ظهرك وندوب جراحك القديمة .. يعرفون ماركات معجون أسنانك وموس الحلاقة ،وعطرك المفضل وكم رشة تكفيك، وأين شردت، ولمن تتعطر ..   يسجلون حسناتك وسيئاتك ،وهل أهملت صلواتك ،وهل بالغت في الركوع لله ،وهل تقوم الفجر ، ومن أي سوق ممتاز تقتني الجعة ، ومتى رجعت من الحانة ،وكم شربت من كأس ، وكم مارست الحب من مرة .. لا داعي لإطفاء النور ولا تغلق الباب خلفك ، يشاهدون كل شيء ، كل التفاصيل الحميمة ،فأجهزة الرصد مركبة داخل شرايينك ..   يقول بطل رواية « 1984 » في مذكراته :_ « كان عليك أن تعيش بحكم العادة التي تحولت الى غريزة مفترضا أن كل صوت يصدر عنك مسموع وأن كل حركة مرصودة ، فالأخ الأكبر يراقبك ، عيناه تلاحقانك على العملة ، على الطوابع، على أغلفة الكتب ، على الأعلام ، وعلى علب السكاكر …وسواء كنت مستيقظا أو نائما ، في الحمام او في الفراش ، لا فرق، لا مهرب لك .. انت لا تملك سوى تلك السنتمترات المكعبة داخل جمجمتك . »..   هذا الكلام كتبه الروائي « جورج أورويل  » سنة 1948.. أما اليوم فنحن لا نملك حتى تلك السنتمترات المكعبة في جماجمنا لنحلم بحرية .

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة