ادريس بنعلي السينمائي

ادريس بنعلي السينمائي

  • مـــــريــــة   مــــكريـــم
  • كتب يوم الجمعة 08 فبراير 2013 م على الساعة 14:05

أَيُّها الموتُ انتظرني خارج الأرض ، انتظرني في بلادِكَ ، ريثما أُنهي حديثاً عابراً مَعَ ما تبقَّى من حياتي .. « محمود درويش » لم يمهله الموت أياما ريثما ينهي حديثا عابرا مع ما تبقى من حياته ، ريثما يضيف سطورا في كتاب جريء عن المسار السياسي للراحل الحسن الثاني كان يعده للنشر، وريثما يضع نقطة النهاية لمقال عن جراح الوطن تركه مشرعا ، وريثما ينهي قراءة سيناريو مشروع فيلم كرئيس للجنة الدعم السينمائي ويخط ملاحظاته الدقيقة على هوامش الصفحات..لم ينتظره الموت حتى يعد حقيبته ويلم داخلها شتات الحلم المنكسر بوطن حر .. جاء الموت مستعجلا قبل أن يزهر الربيع الذي سقاه بأفكاره ، و قبل الرد على سؤال يربكنا : كيف سنحصي بدونه خيباتنا الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية المتدفقة كشلال جارف ؟.. ما أتعس الوطن حين يرحل عنه الحكماء والمثقفون الصادقون ..وكم هو رهيب الصمت ،لما يخرس الموت أصوات الحق والحقيقة .. وكم هو كئيب هذا الربيع بدون ابتسامة ادريس بنعلي وبدون نوره الفكري الذي أضاء ثورة الشباب وسط عتمة الخدلان والهروب واستقالة المثقفين..وكم هو مكلف رحيل مدافع شرس عن قيم الحرية والمساواة والتوزيع العادل للثروة . لما عينه مصطفى الخلفي وزير الاتصال رئيسا للجنة الدعم السينمائي التي أتشرف بعضويتها ، تساءلت كما تساءل الكثيرون عن الحكمة من هذا التعيين لخبير في الاقتصاد في مجال السينما ، وكنت أنتظر أن يقرأ المشاريع بعين المختص المالي ويركز في تقييمه للأفلام على أرقام الميزانيات والكلفة والحكامة في تدبيرالانتاج ؛ فتفاجئت بعاشق للسينما يحلل المضامين والحبكة والبناء الدرامي والبعد السيكولوجي للشخوص والزمان والمكان ورمزية الصورة وكأنه ناقد متخصص ومبدع خبير و متمرس في كواليس التصوير والإنتاج والتأليف والإخراج ..كانت قراءاته للأفلام ونقاشاته مع المخرجين المتقدمين بالمشاريع في جلسات المرافعة تعكس فكرا متنورا وعمقا فلسفيا وحسا نقديا وجرأة فكرية .. وكنا ننصت باستمتاع لتحليلاته التي تبدأ بنقد مشهد في فيلم وتتعرج الى دروب التاريخ والسياسة والاقتصاد وتنتهي أحيانا بضحك عفوي على مشهد ساخر من عبثية الواقع .. سأظل أراه هناك قرب شعاع النافذة في المكتب الأرضي المطل على الحديقة بالمركز السينمائي المغربي ، هناك كان يتوسط طاولة الاجتماع في مداولات لجنة الدعم ،أكاد أحس عطر كلماته وهو يحدثنا بصوته الموسيقي عن الفن والجمال والسينما والأدب وأغاني فيروز .. أوشك على القبض على بريق عينيه حين تسبح في الأفق وهو يحاول ترتيب كلماته ..أكاد أسمع غضبه الهادئ وحديثه الساخر عن بؤس السياسة وصمت الشعب وتخاذل النخب ، ولا زالت بحته الدافئة تعزف في مسامعي نشيده حول الابداع والثورة والحرية .. ستظل صورته موشومة في الذاكرة بأناقته الفرنسية و وجهه الطفولي وحضوره اللافت وضحكته التلقائية وهو يتابع شغبنا .. و لن أنسى نظرته العميقة وهو يصغي لجدلنا واختلافاتنا في الرؤى والقراءات للسيناريوهات المقدمة للجنة الدعم السينمائي. في منتصف دجنبر الماضي كان لقاءنا الأخير ، أصر على الحضور لمداولات الدورة الثالثة للجنة الدعم رغم نصائح الطبيب ورغم الألم الذي كان ينخر جسده النحيل ، كان ذابلا ومتعبا، وحدها اشراقة ابتسامته التي لا تنطفئ كانت تخفي علة الجسد .. استمع باهتمام لمرافعات المخرجين الستة عشر وهم يدافعون عن مشاريعهم السينمائية ، وكان صبورا وهو يصغي لسجالاتنا الفكرية والفنية التي لا تنتهي ..وهو يغادر قاعة الاجتماع مباشرة الى المستشفى للاستسلام لمشرط الجراح ،ودعنا بابتسامة مترددة ووعدنا بلقاء قريب ، لكن عيناه ذاك المساء الممطر كانت تقول بأنه اللقاء الأخير .

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة