الحكومة وورطة صندوق المقاصة | فبراير.كوم | موقع مغربي إخباري شامل يتجدد على مدار الساعة

الحكومة وورطة صندوق المقاصة

  • مـــــريــــة   مــــكريـــم
  • كتب يوم الإثنين 11 فبراير 2013 م على الساعة 21:05

أكدت الحكومة على لسان أكثر من وزير عزمها على إصلاح صندوق المقاصة الخاص بدعم المواد الاستهلاكية الأساسية، وجعلت من القضية أحد أهم الأوراش المفتوحة في خطة عملها. بعد الاستقلال أواخر الخمسينات ورث المغرب عن فرنسا منجزات حديثة مثل الطرق والسكك الحديدية والعمران والقوانين والمؤسسات، ومن جملة ذلك مؤسسة تسمى صندوق المقاصة الذي أُنشأ بالمغرب في أوائل الأربعينات من القرن الماضي بهدف دعم أسعار السلع الأساسية كي تبقى ما أمكن في متناول يد أصحاب الدخل المحدود. المغرب بعد استقلاله عاش لخمسين سنة على الأقل على التركة التي خلفها الاستعمار الفرنسي من البنى التحتية والأنظمة والتشريعات دون أن يبذل جهدا كبيرا لتطوير تلك المكتسبات بما يستبق أو على الأقل يواكب التحولات الديموغرافية والاقتصادية والاجتماعية التي يعرفها البلد. التدبير المحافظ لواقع متغير أنتج عجزا متفاقما في مجالات كثيرة يلمسها المغاربة في واقعهم اليومي ويلخصها مؤشر الأمم المتحدة للتنمية البشرية الذي يضع المغرب في الرتبة 130 بين دول العالم. غير أنه وللإنصاف عرف المغرب في السنوات العشر الأخيرة تحقيق مشاريع هامة في البنى التحتية كالطرق السيارة والسكك الحديدية والموانئ وفي مجال الاتصالات، وكذا في مجال تحديث التشريعات وتطوير بعد المرافق الهامة. غير أن تراكم العجز لحقبة طويلة يجعل من العسير تدارك الأمر خلال بضع سنوات، لذا يحتاج المغرب لمضاعفة الجهود كي ينجو من نعت « العالم الثالث » ويطمح إلى موقع مشرف بين الأمم. صندوق المقاصة عرف المصير ذاته الذي عرفته أغلب المكتسبات الحديثة التي ورثناها عن عهد الحماية، أي التدبير بنوع من النفس المحافظ وأحيانا بالإهمال وعدم الاكتراث، فيما غابت روح المبادرة وسعة الأفق. مستشفى ابن سينا بالعاصمة الرباط هو أقدم وأعرق مستشفى حديث بالمغرب أنشأته فرنسا في الخمسينات، تميز في بداية عهده بخدمات من مستوى راق بإشراف أطباء فرنسيين. بعد الاستقلال انتقل تدبير المستشفى تدريجيا إلى المغاربة، وارتقى نظريا إلى مستشفى جامعي، لكنه انحدر عمليا في تدبيره وخدماته إلى مستوى سيئ. رغم التضحيات والجهود الطيبة للكثير من العاملين به إلا أن التطور الديموغرافي الذي عرفه المغرب بعد الاستقلال وضعف التخطيط وغياب تدبير سليم لقطاع الصحة جعل هذا المرفق الهام في وضع لا يحسد عليه، وهو يئن تحت وطأة تزايد الطلب على الخدمات الطبية وقلة الإمكانيات والموارد. مستشفى ابن سينا هو بحد ذاته مؤشر للتنمية في المغرب (أو بالأحرى لضعف التنمية) أبلغ من مؤشر التنمية البشرية الذي تصدره الأمم المتحدة. حين أنشأت فرنسا صندوق المقاصة في المغرب كان ذلك لدواعي استثنائية بسبب آثار الحرب العالمية الثانية التي أدت إلى نقص في المواد التموينية وغلاء الأسعار، فجاءت فكرة الصندوق لدعم ثمن بعض المواد الاستهلاكية الرئيسية حرصا على القدرة الشرائية لذوي الدخل المحدود. السلطات الفرنسية اتخذت إجراءات للتحكم في الأسعار في فرنسا كذلك خلال الأربعينات والخمسينات للتخفيف من تأثير الحرب على معيشة مواطنيها، لكن تم رفع تلك الإجراءات تدريجيا بعد أن حقق الاقتصاد الفرنسي طفرة حقيقية وارتفع مستوى دخل الفرنسيين بما يسمح لقواعد السوق أن تشتغل بشكل طبيعي دون تدخل من أجل التحكم في الأسعار. صندوق المقاصة تدبير استثنائي لكن المغرب احتفظ به لمدة سبعين عاما. الحكومات المتعاقبة وظفته للتحكم في الأسعار، غير أن النمو الديموغرافي وارتفاع أسعار النفط وغلاء المنتجات الغذائية في الأسواق الدولية جعل كلفة الدعم تبلغ مستويات لا تتحملها ميزانية الدولة، ما اضطر السلطات منذ أمد بعيد إلى التفكير في « إصلاح » الصندوق. الحكومات التي « فكرت » في إصلاح صندوق المقاصة سرعان ما تراجعت بسبب حساسية الموضوع، لأن رفع الدعم يعني تلقائيا ارتفاع الأسعار وما قد تؤدي إليه من تفاعلات اجتماعية يصعب التحكم فيها. الحكومات المتعاقبة لم تنتبه إلى أن الإصلاح الحقيقي للوضع يقتضي الإصلاح الشامل للأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للبلد بما يؤدي إلى رفع مستوى دخل المواطن حتى يمكن إلغاء الدعم تدريجيا ومعه صندوق المقاصة. حينئذ يشتغل قانون العرض والطلب بشكل طبيعي. الحكومة الحالية أعلنت أنها عازمة هذه المرة على حل مشكل صندوق المقاصة مقتدية بتجارب دولية كالمكسيك والبرازيل. وزير الشؤون العامة والحكامة صرح بأن الأرضية التقنية لمشروع الإصلاح جاهزة وأن الخطوة المقبلة هي فتح حوار موسع حول الموضوع. الحكومة تقدم مبررا « شكليا » للإصلاح هو أن دعم الأسعار يستفيد منه الميسورون وليس أصحاب الدخل المحدود فقط كما هو مفروض، وتدعو إلى توجيه الدعم مباشرة إلى المستحقين. تطبيق هذا الخيار يعني ارتفاع عام للأسعار ومساس خطير بالقدرة الشرائية للطبقة الوسطى التي حسب الحكومة « لا تستحق » الدعم. إذا كانت البرازيل قد نجحت في عملية توجيه الدعم المباشر للطبقات الفقيرة لدرجة أنها استطاعت في بضع سنوات تخليص 40 مليون شخص من الفقر فلأنها قررت أولا أن تشترط المساعدة المباشرة للأسر الفقيرة بالتزامها بالانتظام المدرسي والرعاية الصحية. هذه المقاربة الحكيمة تحول دون تحول الدعم المباشر إلى نوع من الريع الذي يشجع على الخمول والكسل، كما أنه يؤسس لتنمية مستدامة بحظه الطبقات المحرومة على التعلم والتكوين. الأمر الثاني الذي تميزت به تجربة البرازيل أنها لم تبادر إلى تطبيق سياسة الدعم المباشر إلا بعد أن مهدت لذلك بتحقيق إصلاح اقتصادي واسع تميز بتقدم هائل في الصناعة والفلاحة واستقطاب قياسي للاستثمارات الأجنبية. اليوم تجاوزت البرازيل بريطانيا لتصبح سادس قوة اقتصادية في العالم، وهي في وضع يسمح لها بتجاوز وجود صندوق مقاصة أو أي إجراء مماثل لدعم الأسعار. على الحكومة أن تستحضر هذه الاعتبارات وأن تقتبس الدرس البرازيلي كاملا، من ألفه إلى يائه، وأن تحرص على فهم « أسباب التنزيل »، وليس فقط أن تكتفي باستيراد فكرة توجيه دعم مباشر للفقراء.

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة