ثورة "لايت"

ثورة « لايت »

  • مـــــريــــة   مــــكريـــم
  • كتب يوم الإثنين 18 فبراير 2013 م على الساعة 20:42

تحتفل عدة بلدان عربية هذه الأيام بالذكرى الثانية للثورة التي جاءت في خضم ما سمي بالربيع العربي. الحصيلة بعد عامين قد لا تنطبق كثيرا مع مفردات رائجة مثل « الربيع » و « الاحتفال » وحتى « الثورة » بمعناها الإيجابي الذي يرمز الى التغيير نحو الأفضل. تونس التي انطلقت منها الشرارة الأولى للربيع العربي تعيش أوضاعا عصيبة. في خضم مناخ سياسي واقتصادي مرتبك اغتيل القيادي اليساري شكري بلعيد لتزداد الأوضاع سوءا، بل وغرابة. رئيس الحكومة التونسية وأمين عام حزب النهضة قرر تشكيل حكومة تكنوقراطية دون أن يستشير – كما اعترف بذلك علنا – أيا كان، بما في ذلك الحزب الذي ينتمي إليه ! حزب النهضة احتج على زعيمه « الأخ » حمادي الجبالي الذي خالف الأعراف السياسية و المقتضيات القانونية، والذي أهمل خصوصا مبدأ الشورى الذي نظّر له طويلا الإسلاميون قبل وصولهم إلى السلطة. الإسلاميون انتقدوا طويلا الحكام الذين لا يلتزمون بالشورى ولا يأخذون برأي أحد، لا من « أهل الحل والعقد » ولا من « الرعية » (حسب المصطلحات الرائجة)، ورسموا صورة جميلة لدولتهم « الإسلامية » التي تزدهر فيها الشورى. غير أن الإسلاميين وهم يقدمون النظريات الكبرى للأمة والدولة نسوا في حزب النهضة أن يجسدوا هذه الأفكار الجميلة في تنظيمهم. في واحدة من غرائب الممارسة السياسية في التاريخ الإنساني كله في ما يبدو دعا حزب النهضة إلى التظاهر في الشارع ضد قرار رئيس الحكومة المنتمي للحزب نفسه. الشعب التونسي يجد نفسه في وضع صعب، فالدستور الجديد ما زال بعيد المنال، والحكومة عاجزة عن تقديم حلول تعالج الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية المتردية، والطبقة السياسية بكل اتجاهاتها تتخبط في صراعات على السلطة لا تنتهي، ومشاكل الأمن والاستقرار تتزايد. باختصار، فالبلد الذي كان مهدا للربيع العربي يعيش قسوة التناقض الكبير بين أحلام الثورة الجميلة وكوابيس الواقع المرير. ليبيا بلد مجاور لتونس، مجاور في الجغرافيا وفي المصير في زمن الربيع العربي. ليبيا تعيش حالة تعتيم إعلامي دولي فريد من نوعه وكأنها اختفت من الخريطة. عند اندلاع « الثورة » جاءت الدول الكبرى لدعمها بالتدخل المباشر، حرصا على الشعب الليبي وتأييدا لمطالبه في الحرية و العدالة والتقدم كما قيل. بعد إسقاط النظام السابق ونجاح « الثورة » دخلت ليبيا في متاهات لا أول لها ولا آخر. لعل أخطر ما في الأمر أن البلد فقد الاستقرار والأمن بعد أن عجزت السلطة الجديدة عن بسط نفوذها على التراب الوطني الليبي. المليشيات والجماعات المسلحة تبسط سيطرتها على عدة مناطق في ليبيا في تحد للسلطة المركزية. هذا الوضع – وكما كان متوقعا – أدى إلى شلل العملية السياسية الانتقالية وبروز تيارات متطرفة وممارسات مشينة بحق أفراد وجماعات. هذا المآل المخيب للثورة تعزز مؤخراً بحكم أصدرته الغرفة الدستورية في المحكمة العليا الليبية يحمل أكثر من دلالة. فقد قضت المحكمة العليا بما يفيد أن من حق الرجل أن يتزوج بامرأة ثانية دون الحاجة لموافقة الزوجة الأولى، أي إباحة التعدد بدون رقيب أو حسيب. قرار المحكمة العليا تجسيد لتصريح أطلقه رئيس المجلس الانتقالي السابق مصطفى عبد الجليل في الأيام الأولى لوصوله إلى السلطة والذي « بشّر » فيه الليبيين بالسماح بتعدد الزوجات. الدستور في ليبيا الثورة يمكن أن ينتظر شهورا أخرى أو أعوام، لكن تعدد الزوجات قضية وطنية عاجلة…(نِعمَ الثورة ونِعمَ هموم الثورة!). حين تسير الأمور بلا منطق فليس غريبا أن ترى مصطفى عبد الجليل نفسه متابعا اليوم أمام القضاء بتهم ثقيلة تتراوح بين سوء استغلال السلطة والتآمر والقتل في حق أحد قادة الثورة. كل هذا التردي الذي يمس مصالح الشعب الليبي في الصميم ويضر بحقوق المرأة الليبية يمر مر الكرام في الإعلام الدولي، فما دام البترول الليبي ينساب دون مشاكل ليس من داع للقلق والفضول، ولا من دافع للسؤال عن الحال والمآل في ليبيا اليوم. لو اقتصرنا على تونس وليبيا كنموذجين لكان في ذلك الكفاية لتقييم حصيلة الربيع العربي عامين بعد انطلاقه. المشرق العربي لا يقدم حصيلة أحسن حالا، كما تعبر عن ذلك الأوضاع المتدهورة في مصر وسوريا. في المغرب علينا تقييم ما يجري في الجارتين الشقيقتين تونس وليبيا بموضوعية وحذر. العبرة الأولى أن الأمور بخواتمها والثورة بنتائجها. مسار المغرب وتفاعله مع الربيع العربي أفضل بكثير مما آلت اليه أوضاع تونس وليبيا. ما فائدة الثورة – خصوصا حين تكون عنيفة – اذا تنكرت للآمال المعقودة عليها وأدت الى عدم الاستقرار والتردي السياسي والاقتصادي والمساس بحقوق المرأة؟ المغرب اختار ثورة ناعمة، أو ثورة « لايت » كما يقال بالأنجليزية، وحقق هذه الثورة بمدونة الأسرة والدستور الجديد وإنجازات أخرى. العبرة الثانية أن إحياء مشروع اتحاد المغرب العربي وهو أحد آمال الربيع العربي في منطقتنا بدأ يتبدد. يجب على المغرب أن يحرص على تحقيق هذا المشروع لفوائده الاستراتيجية الكثيرة، لكن دون أن يطمع في أن تنجح مساعيه في الأمد المنظور، فالأوضاع الداخلية في تونس وليبيا لا تساعد مطلقا. العبرة الثالثة ألا نغتر كثيرا في المغرب ونظن أن البلد في مأمن مما يجري حوله من اضطرابات وتقلبات. دوام الاستقرار وتأمين مستقبل أفضل رهين أولا بوعي المواطنين وحرصهم على الاستقرار (خصوصا الذين لسبب أو آخر يلجؤون للاحتجاج)، وتتعلق ثانيا بالسرعة في تنفيذ الإصلاحات والأوراش الكبرى. الطبقة السياسية لم تستوعب تماماً طبيعة التحديات التي يواجهها المغرب اليوم. الجدل السياسي لا يركز على الأفكار والبرامج التي تتمخض عنها مبادرات ومنجزات ملموسة تطمئن المواطن. العمل السياسي عندنا يغوص في الصراعات الشخصية والمناوشات والتشويش ويصل أحيانا الى الابتذال. الفاعلون السياسيون، في الحكومة والمعارضة خصوصا، مطالبون بأن يفهموا جيدا أبعاد ما يدور في تونس وليبيا كي يدركوا آفاق ما يجب صنعه في المغرب.

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة