المعارضات الأربع

المعارضات الأربع

  • مـــــريــــة   مــــكريـــم
  • كتب يوم الإثنين 18 فبراير 2013 م على الساعة 21:41

لم يسبق، في التاريخ السياسي المغربي، أن كان طريق الجواب عن سؤال المعارضة مزروعاً بكل هذا القدر الحالي من اللبس والغموض والتناقض والخلط. نكاد، اليوم، لا نعرف من يعارض من، ونكاد لا نتبين، بالدقة المطلوبة ومن خلال الخطابات والممارسات، مواقع الأطراف السياسية وتمييز من يوجد في المعارضة عمن يوجد في الحكومة. في الماضي، كان البعض يعمل بكل ما أوتي من قوة على إضعاف المعارضة؛ والآن، يريد هذا البعض، تقوية المعارضة، ويبدي استعدادًا سخيًا لبذل كل ما يستطيعه لبلوغ هذا المراد، ولكن دون جدوى إلى حد الساعة. هناك وجه للتشابه بين الحكومتين المنبثقتين عن انتخابات 1997 و2011، ففي الحالتين معًا، انتقل حزب المعارضة الرئيسي إلى موقع قيادة الحكومة، وساد تخوف من أن ينجم عن ذلك بعض الفراغ في موقع المعارضة. ولكن، هناك أيضًا بعض الاختلافات: فالاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية تَحَمَّلَ المسؤولية الحكومية من موقف ضعف، وخاصة من خلال تخليه عن شروط سابقة، وقبوله بتزوير بعض النتائج الانتخابية لصالحه « تيسيرًا » للتناوب؛ وكان حزب بنكيران، آنذاك، في حالة صعود. وحزب العدالة والتنمية تَحَمَّلَ المسؤولية الحكومية من موقف قوة، نظرًا إلى العدد الوافر من المقاعد التي حصل عليها وإلى السياق الدستوري والسياسي الجديد الذي جرى فيه تحمل تلك المسؤولية؛ أما الاتحاد الاشتراكي، الذي أصبح في موقع المعارضة، فيوجد في حالة هبوط، مثقلاً بالأثر السلبي ل 13 سنة من العمل الحكومي وللعواصف التي تتالت عليه وأنهكته وأثرَّت على مصداقيته. والنتيجة أن أكثر التحاليل تذهب إلى أن وضع المعارضة في المغرب، اليوم، ليس على ما يرام ولا يحقق التوازن المطلوب في الساحة السياسية. ولا يُقصد بالمعارضة هنا، تلك الدينامية النقدية التي يتولى تحريكها جزء كبير من المجتمع المدني، وجماعة العدل والإحسان، وبعض الصحف المستقلة، واليسار الذي لم تسبق له المشاركة في الحكومة، بل يُقصد بها المعارضة التي تُبَاشَرُ على مستوى الأحزاب الثمانية الأولى الأكثر تمثيلاً في مجلس النواب. ويلاحظ عمومًا، وبخلاف اتجاه التطور في المنطقة المغاربية والعربية، أن المؤسسة البرلمانية في المغرب تزداد ابتعادًا عن حركية الشارع، وبالتالي تزداد الشقة اتساعًا بين المعارضة داخل البرلمان والمعارضة خارج البرلمان. المعارضة التي تمارسها الأحزاب الممثلة في مجلس النواب يمكن تصنيفها، في نظرنا، في أربعة أنواع : 1) المعارضة متأخرة التاريخ أو المعارضة بأثـر رجعـي؛ 2) المعارضة من داخل الحكومة؛ 3) المعارضة بتكليف من الغير أو المعارضة بالتفويض أو النيابة؛ 4) المعارضة الجزئية أو بنسبة معينة أو نصف أو ثلث أو ربع المعارضة. – المعارضة متأخرة التاريخ أو المعارضة بأثر رجعي : يُقصد بها نوع من « المعارضة » يمارسه حزب العدالة والتنمية نفسه؛ فحكوميو هذا الحزب يتصرفون أحيانًا كما لو أن الحكومات السابقة لازالت قائمة، فتتحول لديهم عملية إثارة فضائح السابقين ونشر مخالفاتهم وكشف تجاوزاتهم إلى مهمة رئيسية وبديلاً عن عملية تغيير نمط التدبير الذي قاد إلى ارتكاب تلك المخالفات والتجاوزات. وكلما أحس حكوميو العدالة والتنمية بالحرج نتيجة عدم تنفيذ الوعود الانتخابية، تولوا الهجوم على الحكومات السابقة وعلى حزب الأصالة والمعاصرة، كما لو أنهم يريدون بذلك الإشارة إلى أن هذا الحزب يوجد، بشكل من الأشكال، في موقع الحزب الحاكم، وأنه المسؤول ربما عن اختلالات الحاضر، وليس فقط عن اختلالات المرحلة السابقة على ظهور حكومة بنكيران. ومن أغرب المواقف التي نعاينها، اليوم، قيام حكوميي حزب العدالة والتنمية، أحياناً، بالتهديد بالنزول إلى الشارع، وهو الحزب الذي قدَّر أن الدستور الجديد سيوفر له وسائل تطبيق برنامجه الإصلاحي من داخل الحكومة وأن هناك إرادة عليا لتسهيل هذه المأمورية وإزاحة ما قد يعترضها من عراقيل. التهديد بالنزول إلى الشارع لا يلجأ إليه عادة إلا الذين يوجدون خارج مواقع القرار، أي في المعارضة، ولهذا فإن رئاسة الحكومة الرسمية تشعر بأنها توجد أيضًا خارج مواقع القرارات الإستراتيجية. يمكن للبعض تفهم موقف تلك الرئاسة باعتباره أثرًا من آثار اقتطاع أجزاء أساسية من السلطة التي كان يجب أن تعود إلى الحكومة، ولكن ذلك التهديد لا قيمة له عمليًا، إذا كان لا يساهم في حل المشاكل وتغيير الأوضاع. كما أن المعارضة متأخرة التاريخ تصطدم بكون ثلثي أعضاء التركيبة الحكومية الحالية ينتمون إلى أحزاب شاركت في حكومات سابقة؛ – المعارضة من داخل الحكومة : يُقصد بها لجوء أطراف من الحكومة إلى نقد ومعارضة ما يتم باسم الحكومة. ويمثل حزب الاستقلال في هذا الشأن، وخاصة من خلال المذكرة التي وجهها إلى ذ. عبد الإله بنكيران، نموذجًا لهذه « المعارضة ». ليس هناك شذوذ في لجوء بعض أطراف التحالف الحكومي إلى إبداء نوع من الاختلاف حول قرارات حكومية متخذة أو مواقف حلفاء آخرين، ولكن الاختلاف عندما يصبح هو القاعدة ويتخذ نقد العمل الحكومي شكلا منهجيًا شاملاً وينازع في صواب توجهات استراتيجية منتهجة باسم الحكومة، فإن هذا يتناقض مع قاعدة التضامن الحكومي ومع الحد الأدنى من الواجبات التي يفرضها الانتماء الجدي إلى فريق حكومي واحد. وقد لوحظ، بمناسبة النقاش داخل حزب التقدم والاشتراكية حول المشاركة أو عدم المشاركة في حكومة بنكيران، أن البعض ساق، لتبرير مشاركته كتقدمي في حكومة محافظة، حجة العمل على لجم الاندفاع المحافظ من داخل الحكومة حتى لا يتجاوز الحد « المقبول »، بينما مثل هذه المهمة في الأصل يُفترض أن تنهض بها المعارضة من خارج الحكومة؛ – المعارضة بتكليف من الغير أو المعارضة بالتفويض أو النيابة : يُقصد بها المعارضة التي تباشرها عدد من الأحزاب في إطار التزامها بخدمة الاستمرارية وبتسييد القرار الذي لا يصدر عن صناديق الاقتراع، وعرقلة التغيير البنيوي، وتأبيد برنامج الدولة القار. هدف هذه المعارضة هو سد الطريق أمام الظهور المستقبلي لنموذج « الحكومة الحاكمة »، ولهذا تُرفع في وجه الحكومة القائمة الحجة ونقيضها، وتُستعمل لإفشال تجربتها كل الوسائل. هذه المعارضة تعبر عن وجود عدم رضى عن هذه الحكومة في مستوى من المستويات، وتترجم بذلك رغبة « حكومة الظل » في مواصلة لعب أدوار فعلية، علمًا بأن وزارة الداخلية في الحكومة الرسمية نفسها تمثل امتدادًا لما يسمى بحكومة الظل، ولا تجد حرجًا في « تأديب » رئيس الحكومة وإهانته أحيانًا. المعارضة بتكليف من الغير، تُعتبر جزءًا من واجب الولاء للنظام؛ وهذا الولاء يقتضي، في نظرها، محاربة كل من له استقلالية عن النظام، وكل من له برنامج مستقل عن برنامج النظام، أيًّّّا كانت توجهات هذا البرنامج، وكل من له إرادة « الاستقواء »، في نظرها، بشرعية الصناديق للمس بممارسات وتقاليد ممتدة منذ قرون. ومن أغرب تناقضات هذه المعارضة أنها تطالب الحكومة القائمة، مثلاً، في إطار المزايدة السياسية، بتفعيل الدستور في جوانب ومقتضيات لم يسبق لأحزاب هذه المعارضة أن طالبت بإقرارها بل كانت تعتبر المطالبة بها مسًا بالخصوصية المغربية ! – المعارضة الجزئية أو بنسبة معينة أو نصف أو ثلث أو ربع المعارضة : يُقصد بها نوع من المعارضة « التقدمية » التي تحصي على بنكيران أخطاءه وتنتقد قراراته. لكن بما أن بنكيران لا يمارس إلا جزءًا من السلطة (النصف، الثلث، الربع..) فإن كل ما يصدر في إطار الجزء المتبقي لا يطاله نقد أو معارضة ولا يُفترض فيه الخطأ كأنه ليس فعلا إنسانيا. وبما أن رئيس حكومتنا يبدو ميَّالاً إلى التنازل حتى عن بعض الصلاحيات المخولة له دستوريًا، فإن حجم السلطة التي تنفلت من سياط المعارضة يبدو ضخما. رحم الله زمنا كان الملك الراحل يقرر فيه اعتماد « وقفة للتأمل » الاقتصادي، ويعلن ذلك في خطاب متلفز، وفي الغد تصدر صحافة الاتحاد الاشتراكي افتتاحية لنقد وقفة التأمل واستعراض خطرها على الاقتصاد والتنمية.  

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة