عبد الكريم الخطابي بين الذكرى والمعنى | فبراير.كوم | موقع مغربي إخباري شامل يتجدد على مدار الساعة

عبد الكريم الخطابي بين الذكرى والمعنى

  • مـــــريــــة   مــــكريـــم
  • كتب يوم الثلاثاء 26 فبراير 2013 م على الساعة 0:37

تحل هذه الأيام الذكرى الخمسين لرحيل المجاهد محمد بن عبد الكريم الخطابي الذي وافته المنية بمنفاه في القاهرة. القائد المغربي الذي اشتهر بلقب عبد الكريم الخطابي وحد قبائل الريف وقاد خلال حقبة العشرينات من القرن الماضي حربا ضروسا ضد المستعمر الإسباني وهزمه في معركة أنوال الشهيرة، كما أسس ما سمي حينها بِ »جمهورية الريف »، حيث حرص على وضع اللبنات الأولى لدولة حديثة. غير أن تحالف فرنسا و اسبانيا واستخدامهما أسلحة كيماوية أدى إلى نهاية هذه المرحلة، ونُفي عبد الكريم الخطابي إلى جزيرة « لا ريونيون » حيث مكث عشرين عاما قبل أن تقرر الحكومة الفرنسية ترحيله إلى فرنسا. غير أنه خلال عبور الباخرة التي أقلته بميناء بور سعيد المصري طلب اللجوء السياسي في مصر واستجاب له الملك فاروق. تجربة عبد الكريم الخطابي وحرب الريف تجربة فريدة في التاريخ المعاصر كان لها تأثير كبير في العالم، وتناولتها بالدراسة والتحليل عشرات المؤلفات والكتب بالعربية والاسبانية والفرنسية والانجليزية. رغم أن هذه التجربة صارت جزءا من التاريخ بعد مرور حوالي تسعين عاما على ما قدمته من وقائع وأحداث، إلا أنها مازالت تثير الكثير من الاهتمام في الوقت الحاضر. محرك البحث « غوغل » يقدم الدليل على ذلك بالأرقام، اذ تشير إحصائياته حول البحث على شبكة الانترنت أن متصفحي الانترنت، في المغرب و في العالم، يهتمون بالبحث عن عبد الكريم الخطابي أكثر من البحث عن شخصيات تاريخية مغربية أخرى، كعلال الفاسي وعبد الكريم الخطيب وحتى مؤسس الدولة الموحدية المهدي بن تومرت. تأكيدا لمكانة حرب الريف وقائدها تنظم عدة مؤسسات وجمعيات خلال هذا العام أنشطة متنوعة تخليدا لذكرى عبد الكريم الخطابي. وان كان الاحتفاء بهذا الرمز التاريخي لم يكف يوما منذ زمن بعيد، خصوصا في منطقة الريف. استحضار ذكرى تجربة عبد الكريم الخطابي تحيل إلى سؤال كبير حول طبيعة تفاعلنا مع التاريخ. لا شك أن البطل الريفي ورصيده التاريخي أورث المغرب ومنطقة الريف خصوصا الشعور بالفخر بما قدمه من مثال للتضحية في مواجهة الاستعمار، وبما أثبته من نبوغ في إدارة معركة غير متكافئة، وأيضا بما برهن عليه من سعة أفق وانفتاح على المدنية الحديثة. لكنه من غير المقبول أن يتحول هذا الإعجاب المشروع إلى نوع من التقديس، أو إسقاط تجربة حصلت في زمن معين وفي ظروف معينة على الحاضر بشكل متعسف. الباحث الأمريكي المعروف فرانسيس فوكوياما كتب في أواخر الثمانينات مقالا تحت عنوان « نهاية التاريخ » نال شهرة واسعة باعتباره من أهم النظريات السياسية في هذا العصر. فوكوياما حاول إثبات نظرية مفادها أن التاريخ الإنساني قد بلغ نهايته وأن النظام الليبرالي الديمقراطي هو المآل الأخير وطوق النجاة للبشرية جمعاء. غير أن فشل الحروب التي خاضتها الولايات المتحدة في السنوات الأخيرة واندلاع الأزمة الاقتصادية جعلت فوكوياما يتراجع عن أفكاره حول « نهاية التاريخ » ويقر بأن نظريته الغريبة ليس لها من أساس. أسوق هذا المثال للتأكيد على أنه من العبث محاولة « إيقاف » التاريخ في محطة معينة ورهن المستقبل بما حدث في الماضي. البعض عندنا يصرون بعناد على أن مرحلة عبد الكريم الخطابي هي « نهاية التاريخ » لمنطقة الريف! هذا على الأقل ما يوحي به الإسراف في تمجيد تلك المرحلة على حساب الانخراط الجدي في بناء الحاضر والمستقبل. الوفاء لشخصية ما ينبع في الأساس من الوفاء للقيم التي جسدتها والأعمال التي قدمتها خدمة للأهل والوطن. لذا فمن يُجل عبد الكريم الخطابي بما أنجزه للريف والمغرب قبل تسعين عاما مطالب بأن يحذو حذوه ويجتهد اليوم في خدمة هذا البلد وأهله. من المؤسف أن ترى اليوم من تأثر بشكل غريب بذكرى « جمهورية الريف » ليطالب بحكم ذاتي في منطقة الريف، فهذا ضرب من العبث. لا مستقبل لمنطقة الريف ولا للصحراء ولا لأي إقليم مغربي آخر إلا في إطار دولة مغربية موحدة. المعركة الحقيقية في المغرب هي في تكريس الوحدة بين مكونات الوطن وإقرار الديمقراطية وتحقيق التنمية. لا يمكن إنكار أن أحداثا تاريخية معينة ساهمت في تكريس مناخ من الريبة والحذر بين الدولة المغربية ومنطقة الريف، غير أنه بعد تولي محمد السادس الحكم بادر إلى زيارة المنطقة بشكل منتظم وأشرف على انجاز الكثير من المشاريع الهامة التي غيرت وجه شمال المغرب. لا شك أن حاجيات التنمية كثيرة، ويمكن للنخبة المنتمية للريف في الأحزاب والنقابات والمجتمع المدني أن تطالب الدولة بمضاعفة الجهود للنهوض بالمنطقة. وبما أن أهل الريف أدرى به وبمؤهلاته الطبيعية الكثيرة، فالأولى بهم أن يقدموا للدولة أفكارا ومبادرات جدية تساعد على تطوير المنطقة اقتصاديا واجتماعيا. منطقة الريف تقدم فرصا كبيرة للاستثمار في قطاعات مثل الصناعة والفلاحة والسياحة والصيد البحري، لكن المبادرات في هذا المجال ما تزال محدودة، وفي ذلك خسارة للمنطقة وللمغرب كله. التاريخ هو محطة للاعتبار والتأمل وليس محطة نتوقف عندها للأبد. القراءة السليمة للواقع والحرص على المستقبل يجعلان التعبير عن الوفاء لرمز تاريخي مثل محمد بن عبد الكريم الخطابي لا يكون بالمطالبة بنبش قبره ونقل رفاته إلى المغرب، ولا برفع مطلب الحكم الذاتي، بل بالانخراط جديا في بناء الوطن بما يتطلبه الأمر من تضحية وبذل.

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة