صلاح الوديع:هذا هو الصراط الذي لا بد أن يمر منه الإسلاميون (3)

صلاح الوديع:هذا هو الصراط الذي لا بد أن يمر منه الإسلاميون (3)

  • مـــــريــــة   مــــكريـــم
  • كتب يوم الخميس 04 أبريل 2013 م على الساعة 22:07

لقد كنت ولا زلت أعتقد أن أصحاب الاختيار الاسلاموي سوف يتنازعهم باستمرار خياران متعارضان، لا يمكن استبعاد أي منهما – لحد الساعة – وهما خيار التشدد وخيار الانفتاح، وأن عليهم أن يحسموا هذا التردد يوما ما. وقد عبرت عن ذلك سنة 2007 خلال مناظرة تحت عنوان « الاسلاميون، اليسار، الديمقراطية وحقوق الإنسان » جرت بالرباط بين عدد من النشطاء من اتجاهات مختلفة (انظر كتاب « مواجهات بين الإسلاميين والعلمانيين بالمغرب » – دفاتر وجهة نظر  15- 2008). وفي معرض احتمال تغيير الحركة الإسلامية لمواقفها المتشددة الرافضة للمرجعية الكونية لحقوق الإنسان، كنت عبرتُ عن احتمال مفاده أنه « كما تعرض اليسار لامتحان في قناعاته الديمقراطية فلا بد للإسلاميين من المرور على نفس الصراط »  وانتقدتُ في نفس الوقت « صمت اليسار عن دلالات اعتماده للمنظومة الحقوقية وعدم الإقدام على النقد الذاتي في تغيير موقفه في هذا المجال ». وذلك في توافق تام مع ما أعتقده من علاقة بين الأخلاق والسياسة التي تحتم على رجل السياسة بالمعنى التاريخي وليس اللحظي العابر، حين يقدم على مراجعة من هذا الحجم، أن يتواضح مع المعنيين بالأمر، أي مع المواطنين.   وخلال نفس الندوة، وبحضور إسلامويين مناهضين للعلمانية، دافعت عن العلمانية كما أراها حيث اعتبرت بأن « العلمانية المبنية على التسامح تختلف عن العلمانية المعادية للأديان (…). حيث تعتبر الأولى أن المرء له الحق في عبادة الخالق بالطريقة التي يرتضيها، كما ترى أن ممارسة هذا الحق لا تخول للمرء أن يرغم الآخرين على اتباعه بالعنف والإكراه (…). وإذ ترى هذه العلمانية أن مسألة الإيمان من عدمه مسألة تدخل في النطاق الخاص باعتبارها مسألة اختيار فردي، فإنها ترى بالمقابل أن الدولة يجب أن توفر شروط ممارسة الطقوس الدينية للمؤمنين (…) ». وشدَّدْتُ في المقابل على أنه « في هذا الإطار، لا ترفض العلمانية المتسامحة اعتبار الدين مرجعية لتنظيم المجال العمومي. إنها ترفض أن يتم فرض المرجعية الدينية من موقع الحقيقة المطلقة وموقع الحجة التي لا يعلى عليها، والتأويل الذي لا راد له. وخلصت إلى أن هذه العلمانية « تقول بضرورة وضع النص المدني الذي يتوجب أن يكون المرجعية الأولى في حياة المجتمع (…) ». قبل أن أؤكد أن « اعتقادي يذهب إلى عدم وجود أي تناقض بين الإسلام كما عاشه المغاربة كلحمة ثقافية، وبين مبادئ العلمانية المبنية على التسامح ».   لقد جرت مياه تحت الجسور منذ ذاك. واليوم على الاسلامويين أن يقرُّوا، وهم يوجدون اليوم في رأس الهرم المؤسساتي، بالضرر الذي أحدثوه في المجتمع بإقحامهم للدين في العمل الحزبي حيث تسببوا في إذكاء الغلو وتوفير الغطاء الإيديولوجي للنزعات المتشددة وإضعاف روح التسامح عند المغاربة، وترسيم العنف اللفظي والجسدي المفضي إلى استمراء التصفية الجسدية للمخالفين الرأي باعتبارهم مارقين…   عليهم قبل ذلك الإقرار بنسبية رؤيتهم وأن يكفوا عن ادعاء امتلاك الحقيقة الدينية وغيرها وادعاء امتلاك العفة ويتوقفوا عن التلويح بتدينهم في وجه الآخرين ومهاجمة كل من يعارضهم وأن يتبنوا موقفا متسامحا لا لبس فيه وعلى قدم المساواة تجاه الديانات الأخرى وتجاه اللادينيين وأن يتوقفوا عن الخلط المتعمَّد بين اليهودية والصهيونية وأن يتركوا توزيع خيرات الجنة للآخرة ويهتموا بتوزيع خيرات الدنيا.   وقبل كل ذلك على الداعين إلى هذا الاختيار أن يوضحوا للرأي العام من هم الذين عملوا على ليّ ذراع لجنة تعديل الدستور حين تعلق الأمر باعتماد حرية المعتقد في الدستور باعتبارها أساس الفصل بين الدين والدولة، ورفضوا ذلك بأي صيغة من الصيغ؟ من أقام الدنيا ولم يقعدها حتى تم التراجع عنها في النص المقترح؟ من يتحمل المسئولية في إخلاف هذا الموعد من جديد ؟ هذا مع اقتناعي بحتمية ذهاب البشرية إلى علمانية كونية من النوع الذي ذكرت، علمانية ستكون بالتأكيد أرحم على جميع الأديان من دعوات الاستعداء من أي تعصب ديني، أكان: يهوديا أو مسيحيا أو إسلاميا أو غيره. وهو موضوع قد نعود إليه لاحقا.   من غير ذلك سيكون الأمر تحايلا جديدا على الناس والتاريخ، وسيكون دم شهداء الحرية والتنوير في المغرب قد أُهدر فوق ثراه مرتين…   إن هذا يعني، بكلمة، أن على الإسلامويين وفي المقدمة منهم « إسلاميي السلطة » أن ينسلخوا عن جلدهم ويتنكروا للمنطلقات التي أوصلتهم حيثُ هم.   مرحى إذن،… لكن بكامل الوضوح، أمام الملأ وعلى رؤوس الأشهاد، وبالاعتذار للتاريخ.  

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة