لٙـمى و 8 مارس

لٙـمى و 8 مارس

  • مـــــريــــة   مــــكريـــم
  • كتب يوم الإثنين 11 مارس 2013 م على الساعة 22:56

قبل أشهر قليلة تناقلت وسائل الإعلام العالمية خبرا مثيرا من المشرق العربي أثار ضجة واسعة. الخبر يتحدث عن إقدام داعية مشهور يُدعى فيحان الغامدي بقتل ابنته ذات الخمس سنوات. البنت المسكينة تعرضت للضرب والتعذيب لشهور طويلة إلى أن أسلمت الروح في أحد مستشفيات مدينة الرياض بعد ٳصابتها بجروح بليغة في أنحاء مختلفة من جسدها الصغير. الداعية ذي اللحية الكثيفة والمعروف بإطلالاته على القنوات السعودية، والحريص على « نشر الدين » بين الناس و »تطبيق الشريعة السمحاء »، يسمح لنفسه بتعذيب وقتل طفلة بريئة دون إحساس بالذنب، والمصيبة أن الطفلة ابنته! ليس أبلغ من وصف هذا السلوك المقيت الذي ينتمي لعهد الجاهلية من الآية الكريمة التي تقول « بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ ». الطفلة المسكينة ذهبت ضحية أب نُزعت الرحمة من قلبه، لكن موتها لم يأت على حين غفلة، فقد عانت لشهور سوء المعاملة والتعنيف، ومع ذلك لم يهب لإنقاذها لا قريب ولا بعيد، ولم يسعفها لا قانون ولا « شريعة ». القاتل واحد، لكن الشركاء في الجريمة كُثر. مأساة الطفلة لٙمى تكشف الكثير من الحقائق وتقدم الكثير من الدروس. لٙمى ضحت بحياتها كي تثبت لنا حقيقة كبرى، وهي أن الدين شيء والإنسان شيء آخر. بمعنى أنه يجب أن نميز بين الدين الذي يحض على الإيمان والعلم والحكمة والحرية والعدل والرحمة وكل القيم النبيلة، وبين الإنسان، ذلك المخلوق الذي يعلم القليل ويجهل الكثير، يحسن حينا ويسيء حينا آخر، قد يصدق وقد يكذب، قد يصيب وقد يخطئ… لا يمكن لأحد أن يدعي الكمال أو الصواب في الرأي فقط لأنه متدين أو داعية أو « مجاهد » أو عضو في حركة ٳسلامية! لا يعقل التسليم بكل ما يقوله أو يصنعه فلان فقط لأنه يعلن انتماءه إلى الدين أو يلوك أقاويل وشعارات دينية. الشعب المصري برهن حتى الآن أنه حريص تماما على هذه القناعة في التمييز الذكي بين الدين وبين من يدعي الدين، أكان الادعاء عن حق أو عن باطل. لذلك فالمصريون يواجهون بحزم محاولات « الإخوان » الساعين لإقامة حكم المرشد، ويرفضون القرارات السياسية الخاطئة في تدبير أوضاع البلد، ولسان حالهم يقول « ٳنما الإخوان المسلمين بشر يصيبون و(كثيرا ما) يخطئون ». المفارقة في مصر أن الشعب ارتقى وعيه، فبات يدرك أن الدين وقيمه شيء وأن الإنسان وأفكاره وأفاعيله شيء آخر، لكن حركة الإخوان المسلمين مازالت تتخبط في لبس فكري، ولا تقوى على فهم معادلة بسيطة، وهي على أن ما للدين شأن، وما للحركة من قرارات تحتمل الصواب والخطأ شأن آخر. درس آخر تكشفه مأساة لمى وهو موجه أساسا للنساء اللواتي يحتفلن بيوم المرأة العالمي في الثامن من شهر مارس كل عام. ربما من التكرار التذكير بأن وضع المرأة لا يسر. إن ثقل تقاليد بالية أنتج واقع اليوم الذي تعاني فيه المرأة من حيف وتمييز أضر بها وبالمجتمع. حظ المرأة من التعليم والعمل والمشاركة السياسية والاقتصادية والحقوق الإنسانية والاجتماعية مازال دون المستوى الذي يمنحها المكانة التي تستحق. لٙمى تقول للمرأة: إن كنت تسعين إلى حقوقك المشروعة فلا تُعوِلي على أحد إلا نفسك، ولا تنتظري أن يأتيك العون من أحد، ولا حتى من أدعياء الدين ونصرة الحقوق! الداعية السعودي حرم ابنته من حقها في الحياة وحقها في الرعاية والحماية وهي طفلة بريئة، فهل يُعوّل على أمثاله الحرص على حقوق المرأة السياسية مثلا؟! وعي المرأة اليوم بأن كفاحها ونضالها المستميت هو المفتاح لإدراك حقوقها ما هو إلا تكريس لحقائق تاريخية. الاحتفاء بيوم 8 مارس جاء بعد كفاح طويل للمرأة في أوروبا وأمريكا التي خاضت منذ أوائل القرن الماضي نضالات كثيرة للاحتجاج على ظروف العمل السيئة، وللمطالبة بالمساواة وحق التصويت والمشاركة السياسية. اليوم بات 8 مارس يوما دوليا للمرأة تحتفي به الأمم المتحدة وكل دول العالم، لكن الحاجة مازالت ماسة لتحسين أوضاع النساء في كل مكان. في المغرب، ورغم تحقيقها بعض المكاسب، مازالت المرأة لم تبلغ المرتبة التي تستحق. كل الفاعلين مطالبون بمضاعفة الجهود كي تنال المرأة حقوقها من تعليم ورعاية صحية وحقوق سياسية واقتصادية واجتماعية، وليس من محفز لهذه الجهود أكثر من وعي المرأة ونضالها وإصرارها. قد يرى البعض نفسه مواطنا بسيطا غير معني كأصحاب القرار بقضية المرأة وبدعمها، لكن أي رجل لو حرص، كأب أو أخ أو زوج…، على تكريم المرأة وحسن معاملاتها لقدم خدمة عظيمة لقضيتها. قد تكون قصة لٙمى حالة استثنائية، لكن مشاعر الأب بالاستهانة بحقوق ابنته (والمرأة عموما) ليست استثنائية تماما، فهي تختلج عقول وصدور كثير من الرجال ولو بدرجات أقل طبعا. هذه حقيقة أخرى تسلط عليها الأضواء مأساة لٙمى. ازدراء المرأة بدرجاته المتفاوتة مرض اجتماعي وثقافي عميق الجذور يحتاج إلى علاج من نفس النوع، أي اجتماعي وثقافي. حٙسْب لٙمى ألا يذهب موتها سدى، وأن تفيد قصتها الأليمة أجيالا جديدة في إدراك حجم الحيف الذي يطال المرأة. يكفي لٙمى فخرا أن تبعث قصتها في العقول والقلوب وعيا جديدا يمهد لغد أفضل.

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة