كصديقين قديمين | فبراير.كوم | موقع مغربي إخباري شامل يتجدد على مدار الساعة

كصديقين قديمين

  • مـــــريــــة   مــــكريـــم
  • كتب يوم الإثنين 25 مارس 2013 م على الساعة 16:57

على إيقاع زخات مطر ربيعي خفيف،انطلق القطار السريع صبيحة السبت الماضي ،من محطة فاس في اتجاه الرباط.فضل « ع.الانوالي »أن ينزوي في الكرسي المحاذي للنافذة.بدا له مغريا أن يستمتع برفقة ربيع في بداياته الواعدة .على المنضدة الصغيرة أمامه وضع حزمة جرائد و مجلات. ربما كان يريد أن ينقاد قليلا لغفوة صغيرة ،عندما توجه إليه شاب يجلس أمامه ،طالبا منه السماح بتصفح إحدى الجرائد،أومأ له برأسه موافقا ،و في نفس اللحظة انتبه إلى أن جليسه ليس سوى احد وجوه حركة 20 فبراير الذين طالما تصدرت صورهم وسائل الإعلام ،خلال تلك الشهور المثيرة التي جسدت المرور المغربي اللافت لزمن الربيع العربي. بسرعة تعارف الكهل الستيني على الشاب الفبرايري.كان هذا الأخير قد انطلق قبل أسابيع في فترة تدريب بإحدى الإذاعات الخاصة بفاس ،بعد نيله لشهادة جامعية العام الماضي.أما صديقنا « الانوالي »فقد استقر منذ سنوات في فاس ،بعد حصوله على تقاعده الوظيفي ،و أساسا بعد حياة صاخبة ،انطلقت قبل ستة و ستون سنة ، إلتهم منها الإلتزام السياسي أكثر من نصف قرن،منذ ذات سبعينيات فائرة عندما وجد نفسه،منضويا في خلية سرية للنقابة الوطنية للتلاميذ ،ثم طالبا يساريا منخرطا في حمأة الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، وفي نفس الوقت قياديا شابا في منظمة « 23مارس »،ثم مطاردا بأحكام غيابية ،تاركا قسم الفلسفة بعد أقل من شهرين على تعيينه الجديد بإحدى مدن الشمال،ثم منفيا بالجزائر ثم باريس،فعائدا للبلاد في بداية الثمانينيات بحثا عن « الشرعية »و موقع تحت الشمس ،متحررا من كثير من الأوهام و قابضا على جمر النضال من أجل دمقرطة الدولة و دمقرطة المجتمع،منخرطا في مغامرة إنسانية و سياسية جميلة ،عنوانها منظمة العمل الديمقراطي الشعبي،قبل أن تؤول المغامرة إلى كابوس ،تحت سيف الإنشقاق ،عام 1996،ليفضل حينها الاهتمام أكثر بالعمل الحقوقي و بالواجهة المدنية. شعر الشاب بقليل من الخجل.معتذرا لرفيق رحلته،عن عدم تمكنه من وضع الإسم الذي يعرفه جيدا كأحد رموز حركة اليسار الجديد،على الوجه الأليف للستيني الجالس أمامه .لكن صديقنا اليساري القديم ،عرف كيف يدبر ارتباك الشاب ،متحدثا عن قناعته بان على جيله الانسحاب من واجهة الساحة السياسية و الحقوقية،و ان ثمة أجيال أكثر شبابا و عنفوانا تستحق استكمال معارك الديمقراطية و حقوق الإنسان .استعاد « الفبرايري » بعض الثقة ليقول،و هو يعلن إبتسامة خفيفة ،انه شخصيا لا يستحضر ،من بقايا الحكايات التي تكاد تتحول إلى أساطير صغيرة،قادة اليسار الجديد ،الذين لم يسبق له التعرف مباشرة عليهم ،إلا كشباب بشعر أشعت ،و لباس متمرد ،و سجائر لا تنطفئ… انفجر الأستاذ ضاحكا،ثم قال للشاب :يبدو أنني أنا من يستحق الإعتذار بعد أن شوشت على هذه الصورة السوريالية المقتربة من « الكاريكاتور » و التي يحتفظ بها مخيالك،ربما من اثر الصور النادرة بالأبيض و الأسود لبعض نشطاء اليسار السبعيني ! تنهد قليلا، ثم واصل الحديث قائلا:أنت تعرف طبعا أن اليوم هو الذكرى الثامنة و الأربعون لإنتفاضة 1965،و أن أكثر من أربعة عقود قد مرت على ولادة الأنوية الأولى لليسار » الجديد »،أليس لنا الحق في أن نشيخ قليلا!!وحدهم الشهداء يخلدون شبابا في أفئدتنا، ووحدها الأحلام و الأفكار لا تشيخ! .في المساء ،و هذا سبب سفري،ينظم بعض الأصدقاء بالهرهورة، حفلا على شرف كل الرفيقات والرفاق، الذين عبروا ذات حلم جامح « 23 مارس »، كجيل تواطأ على مقارعة المستحيل ،بكل نبل و إرادوية الشباب،لتتوزع أشلاءه فيما بعد على كل خيبات البلاد و انكساراتها،ليركن البعض في الظلال الباردة لرتابة التفاصيل اليومية للحياة و الأسرة و الأبناء ،و ليواصل البعض إحتضان « الفكرة » بأشكال جديدة ومختلفة ،اقتضتها تحولات المرحلة و سيرورة التاريخ.يتوقف كما لو ليأخد نفسا ثم يكمل :في الواقع طالما إعتذرت عن لقاءات كهذه ،كنت أعتقد أنني لا يمكن أن أقايض الحلم بالحنين ،و لا الايدولوجيا بالنوستالجيا،لكن بعد 20فبراير تأكدت ان الأحلام أكثر عنادا من الواقع،و أن أفكار التقدم والتغيير قد تتراجع تحت و طأة التضليل و الرداءة و الرجعية ،لكنها لا تستسلم أبدا !. كان الشاب « الفبرايري » ،ينصت بإنتباه لإسترسال الأستاذ ،مفكرا في الوجوه التي انخرطت و دعمت الحراك المغربي قبل عامين، وجوه من كل الأجيال والآفاق والحساسيات، وكيف اكتشف شباب الشبكات الافتراضية، إنهم ليسوا نبتات غريبة في أرض خلاء،بل هم إمتداد حي لذاكرة طويلة وأليمة من الكفاح والنضال ،كان يريد أن يناقش السي « الانوالي » حول مسؤولية جيله في انشطار اليسار،و حول اختلاف حركات الشباب بين تجارب السبعينات،و بين دينامية الربيع المغربي.كان يريد أن يفهم جدلية الفشل التي تلاحق دورات التاريخ في كل مراحل الإنعتاق . لكن القطار وصل إلى محطة الرباط، وظلت الأسئلة معلقة،لكن فقط إلى صباح يوم « الاثنين 25 مارس »،حيث عرف صديقينا ،أنهما سيسافران ،بالصدفة، في نفس الرحلة إلى تونس لحضور أشغال المنتدى الاجتماعي. سرت بين صاحبينا،كهرباء غريبة،و تواطئ سريع.رغم أن بينهما ،كان ثمة فارق بحجم عمر كامل ؛و مساحة جيلين أو ثلاثة ؛و أكثر من أربعة عقود سلختها البلاد بين الخيبات الكبرى و الإنتصارات الصغيرة . لكنهما كانا مسكونان بذاكرة مشتركة من الأسماء و الأحداث و الشهداء والرموز والتاريخ ، و بينهما كان ثمة « حلم واحد »،حلم لم تنهكه السنين ولا نالت منه الهزائم .حلم بلا تجاعيد،حلم بمغرب آخر ؛مغرب أكثر عدالة و حرية وكرامة. عبر كل من « السي الانوالي » و » حمزة « محطة الرباط المدينة،فعلا ذلك كصديقين قديمين.صعدا معا الدرج الآلي وهم يتبادلان تعليقات سريعة.وصلا باحة المحطة. توقفا قليلا. تبادلا أرقام الهاتف و عناقا حارا. خارج المحطة، كانت الرباط تستعيد أنفاسها بعد عاصفة مطرية قوية،مستسلمة لرائحة التراب المشبعة بالماء و الرطوبة ،و لشمس الربيع التي ترسل أشعتها بدفء .بقي الأستاذ واقفا قرب البوابة الكبرى للمحطة ،ينتظر صديقا سيقله للهرهورة.اتجه الشاب بخفة ،حاملا حقيبته الصغيرة،صوب شارع محمد الخامس.ظل الأستاذ يراقبه باهتمام ،حتى ذاب في الزحام.

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة