من مناظرة وطنية لأخرى | فبراير.كوم | موقع مغربي إخباري شامل يتجدد على مدار الساعة

من مناظرة وطنية لأخرى

  • مـــــريــــة   مــــكريـــم
  • كتب يوم الثلاثاء 19 مارس 2013 م على الساعة 20:34

  أعلن مؤخرا الوزير الحبيب الشوباني افتتاح مناظرة وطنية حول المجتمع المدني بحضور رئيس الحكومة وحشد من الوزراء والشخصيات. وزير العلاقات مع البرلمان والمجتمع المدني أعلن أن الحكومة تسعى من هذه المبادرة إلى دعم دور الجمعيات والمنظمات غير الحكومية في صياغة وتقييم السياسات العمومية، وتمكينها من مناخ أفضل للمساهمة في جهود التنمية، وتأطير نشاطها بضوابط تنسجم مع معايير الشفافية والحكامة الجيدة. من حيث المبدأ فالمبادرة الحكومية فكرة محمودة تستحق التنويه، لأنها أولا تعبر عن وعي بالدور الكبير الذي يمكن أن تقوم به الجمعيات، ولأنها ثانيا تؤسس لفكرة التعاون والشراكة بين الدولة ومختلف الفاعلين خدمة لقضايا البلد.   إذا فالفكرة جيدة، لكن تنفيذ الفكرة ليس بجيد ! الوزير نصب لجنة وأناط بها إدارة حوار وطني مفتوح أمام « كل المواطنين والمواطنات المنتظمين في جمعيات ومنظمات غير حكومية في داخل الوطن وخارجه »، مع التأكيد على أن محطات هذا الحوار الوطني ستتم في عدة أقاليم وأن السقف الزمني لانتهاء أشغال هذا الحوار هو سنة كاملة. الوزير الشوباني ليس أول وزير في الحكومة الحالية الذي يعلن عن مناظرة وطنية لإصلاح كذا وكذا…أي أن منطق المناظرة الوطنية أو الحوار الوطني يعبر عن سياسة حكومية ثابتة، وهذا أمر مقلق حقا. قد يكون مبدأ إشراك أوسع عدد من المهتمين في صياغة حلول للقضايا الكبرى أمر محمود، لكن طريقة تنفيذ هذه المشاركة تحتاج إلى النقاش.   الموسوعة العلمية تقول أن « المناظرة هي نوع مرتب أو رسمي من المناقشة…المناظرة في اللغة مأخوذة من النظير أو من النظر بمعنى الإبصار وفي الاصطلاح هي النظر بالبصيرة من الجانبين المعلل والسائل بغرض إظهار الصواب. وعلم المناظرة علم عربي أصيل… ». المناظرة إذا هي اجتماع عام قد يضم العشرات وربما المئات من المشاركين بهدف تبادل الرأي وإغناء النقاش حول موضوع ما، وهذا بلا شك له فائدة فكرية وثقافية. غير أن  العمل الحكومي في التعاطي مع القضايا الرئيسية لا يمكن أن يمر عبر تنظيم مناظرة أو حوار الوطني يجمع المئات من الناس، كل يغني على ليلاه…   التعاطي الجدي مع قضية ما يستدعي حشد لجنة محدودة العدد من أهل الكفاءة والخبرة تعمل بمنهجية، وتعكف على دراسة الموضوع بشكل معمق ومستفيض، وتحرص على تحقيق استشارة واسعة بطريقة منظمة، لتخلص في الأخير الى تقديم مقترحات أو أفكار جاهزة للتنفيذ. على أن تتولى الحكومة بعد ذلك تفعيل نتائج عمل اللجنة وترجمتها الى سياسة عمومية ملموسة. في 2005 نظم حزب العدالة والتنمية « المناظرة الوطنية الأولى حول العمل الجماعي » تحت شعار « من أجل وعي أفضل بمسؤولية المنتخب الجماعي ». تلك مبادرة صائبة أن ينظم حزب معارض في إطار نشاط فكري مناظرة تجمع المئات من المنتخبين والمهتمين لإغناء الحوار وتطوير الكفاءات في مجال الجماعات المحلية. لكن أن يعتمد نفس الحزب اليوم أسلوب المناظرات لتقرير سياسة حكومية وإيجاد حلول لقضايا المغرب، فالمسألة فيها نظر.   يشهد المؤرخون على أن وزارة التجارة الدولية و الصناعة  اليابانية المشهورة باسم MITI لعبت دورا كبيرا في تحقيق ما يسمى بالمعجزة الاقتصادية اليابانية. في الخمسينات عُهد لهذه الوزارة بوضع استراتيجية وطنية لتطوير الصناعة اليابانية. الوزارة اليابانية لم تنظم « مناظرة وطنية »، وإنما عينت لجنة محدودة العدد تجمع بين الإدارة والقطاع الخاص في شراكة نموذجية أفضت إلى مقترحات عملية تبنتها الحكومة اليابانية وجعلت من اليابان دولة صناعية كبرى.   في فرنسا، وبعد انتخابه رئيسا للجمهورية، عين فرانسوا هولاند في يوليو 2012 لجنة من 14 عضوا ترأسها الوزير الأول السابق ليونيل جوسبان لتقديم مقترحات حول إصلاح السياسة العامة الفرنسية، في ما يرتبط بنظام الانتخابات الرئاسية والتشريعية، ومسؤوليات رئيس الجمهورية، وصلاحيات المحكمة العليا، وأخلاقيات العمل السياسي. اللجنة اشتغلت خلال 4 أشهر، ثم قدمت تقريرا يشتمل على 35 مقترحا تعهد الرئيس الفرنسي بالعمل على تفعيلها بإجراءات تشريعية وتنظيمية.   الرئيس الفرنسي شكل في نفس الفترة لجنة أخرى عهد إليها بوضع كتاب أبيض حول الدفاع والأمن. لهذه الغاية وجه رسالة مأمورية لرئيس اللجنة يوضح فيها الضوابط والأهداف، ويطالبه بتقديم مقترحات لرسم السياسة الدفاعية لفرنسا في المستقبل، مع إلحاحه على أن تحرص اللجنة على استشارة الفاعلين الرئيسيين في مجال الدفاع والأمن، وعلى أن تنهي اللجنة أعمالها خلال أجل لا يتعدى 6 أشهر.   هكذا تشتغل الحكومات التي تتوخى الفاعلية في معالجة القضايا التي تواجه بلادها. المناظرة التي تتسع للعشرات والمئات تكون مفيدة ربما لتعلم المهارات البلاغية والخطابية، وفي أحسن الأحوال لتطوير المعارف والأفكار في إطار ثقافي أو أكاديمي، لكن لا يمكن أن تكون المناظرة أداة لتقرير السياسة الحكومية وإيجاد الحلول للقضايا الكبرى. اللهم إذا أردنا اقتباس تجربة المؤتمرات الشعبية التي تنتمي لعهد ما وزمن ما.

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة