فتوى قتل المرتد عنوان الردة الفكرية والثقافية

فتوى قتل المرتد عنوان الردة الفكرية والثقافية

  • مـــــريــــة   مــــكريـــم
  • كتب يوم السبت 11 مايو 2013 م على الساعة 0:43

صدور فتوى المجلس العلمي الأعلى بقتل « من تخلى عن دينه » أحدث صدمة أو رجة على الأقل في ضمائر ونفوس شريحة واسعة من المواطنين المتتبعين للحركية المجتمعية في أبعادها الثقافية والسياسية والحقوقية والإعلامية . وأمر طبيعي أن يشعر المرء بالصدمة ، خصوصا وأن الفتوى صدرت عن هيئة الإفتاء الرسمية للمغرب التي يترأسها الملك . ومبعث الصدمة سببان رئيسيان : أولهما : أن المغرب انخرط رسميا وشعبيا في مسلسل الإصلاحات السياسية والدستورية ضمن إستراتيجية إقامة مجتمع حداثي ديمقراطي يتبنى قيم وثقافة حقوق الإنسان كما هي متعارف عليها كونيا . ويقتضي هذا الخيار الإستراتيجي تأهيل كل المؤسسات الدستورية لتعمل في تناغم مع الإرادة السياسية التي ما يفتأ رئيس الدولة يعبر عن عزمه على ترجتمها إلى ممارسة وقوانين وتشريعات تصون هذا الخيار الإستراتيجي وتكرسه واقعا معيشا . وفي هذا الإطار جاءت سياسة هيكلة الحقل الديني وإعادة تشكيل مؤسساته بما يعضد الخيار الديمقراطي حتى لا يبقى هذا الحقل نشازا تنفذ منه ثقافة الغلو وتستغله الاتجاهات المتطرفة لمحاربة إستراتيجية التحديث والدمقرطة . وقد جاءت الرسالة الملكية للمجالس العلمية في أبريل 2009 حاسمة في الأمر ( فإننا ما زلنا نؤكد على ضرورة إدماج الخطاب الديني، في صلب المشروع المجتمعي الذي نعمل جادين على إنجازه، لتحقيق التنمية البشرية المنشودة، ورفع تحدياتها واستشراف المستقبل، في ثقة وعزم واطمئنان. وهذا ما يتطلب جعل الخطاب الديني الذي توجهونه، توعية وإرشادا، قائما على الاجتهاد المقاصدي المبني على جلب المصالح، ودرء المفاسد، ومراعاة متغيرات الواقع، في التزام بأصول الدين الإسلامي الحنيف، ووسطيته وسماحته واعتداله). وقد ساد الاعتقاد أن الهيكلة الجديدة للحقل الديني ستجعل العلماء حماة المشروع الديمقراطي ومجددين للخطاب الديني بما يراعي « متغيرات الواقع » . إلا أن الفتوى إياها أثبتت فشل السياسة الدينية التي ركزت على هيكلة الجانب الإداري وأغفلت الجوانب الفكرية والعقدية والنفسية للمنتسبين لهذا الحقل . بل إن فتوى « قتل المرتد » الصادرة عن المجلس العلمي الأعلى برهنت بالملموس على أن الجماعات الإسلامية التي كانت تنعت « بالمتشددة » باتت أكثر اعتدالا وبذلا للجهد الفكري من أجل تجاوز حالة التنافر بين حرية الاعتقاد التي تنص عليها المواثيق الدولية ، وبين متن الحديث المعتمد مرجعا وحيدا لتشريع قتل المرتد. والمواقف التي عبر عنها بعض فقهاء حركة التوحيد والإصلاح تندرج ضمن الجهد الفكري لنفي الصدام بين الدين الإسلامي وبين العهود الدولية لحقوق الإنسان (رأي الريسوني) . بينما المؤسسة الدينية الرسمية للمملكة التي خضعت للهيكلة بهدف « تأهيلها » ، غدت أكثر تشددا وغلوا أرجعت البلاد إلى سابق عهدها مع سياسة تكفير معارضي النظام إبان ما بات يعرف « بسنوات الرصاص ». أما السبب الثاني للصدمة فيرجع أساسا إلى حالة الاطمئنان التي سكنت النفوس والضمائر بكون المغرب قطع مع ثقافة الاستبداد وغدت ضمائر المواطنين مقتنعة بقيم وثقافة حقوق الإنسان ، كثقافة إنسانية مشتركة تجعل المغاربة مقتنعين بالانتماء إلى الحضارة الإنسانية وليسوا غرباء عنها ؛ أي أنهم يعيشون حاضرهم ويتطلعون إلى المستقبل دون الحنين إلى استرجاع الماضي والانغلاق داخله . وجاءت هذه الفتوى لتعلن فشل الدولة والمجتمع في تأهيل الإنسان المغربي ليعيش حاضره بذهنية معاصرة ومنفتحة على قيم العصر كما هي منفتحة على تطبيقاته التقنية. حالة الفشل هذه ترجمتها المؤسسة الدينية الرسمية في مجتمع ينادي أفراده بالديمقراطية وقيم حقوق الإنسان بينما علماؤه يريدونها دولة دينية ونظاما ثيوقراطيا يرفض الاختلاف ويناهض حرية الاعتقاد. وقد أحسن شوقي جلال تشخيص أسباب فشل المجتمعات العربية في تجديد الثقافة وتغيير الذهنية ، ضمن تقديمه للترجمة العربية لكتاب « الثقافات وقيم القيم » لصمويل هنتكتون ولورانس هاريزون، حيث حصرها في سببين رئيسيين كالتالي (أن المجتمع عاطل من المعرفة الكاملة والصحيحة نسبيا ومرحليا لتوجيه مسارات حركته وطاقاته وأنشطته الاجتماعية بصورة فعالة في الاتجاه الصحيح ، أي للتكيف مع حضارة العصر بهدف البقاء والعطاء والامتداد والمنافسة . ومن أسباب الفشل أيضا أن يكون المجتمع عاطلا من ثقافة ترسخ قيم التغيير والتحدي الفعّال). إن هذا الفشل لن يدفع الأفراد ثمنه ، بل المجتمع برمته الذي لن يزيده تراكم الفشل وتعمقه إلا تشددا وانكفاء نحو كهف الماضي « التليد » الذي يجد فيه عزاءه وسكينته . إزاء هذه الوضعية الشاذة ، غدا الحسم ضروريا ومستعجلا بين خيار الانكفاء والاندحار الحضاري ، وبين خيار الانفتاح والتنافس الفعال مع بقية شعوب الأرض في رسم معالم مستقبل البشرية . أما حالة الفصام النفسي والفكري والقيمي التي تنخر المجتمع المغربي بكل فئاته ، فلن تنتج إلا ذهنيات مشوهة ونفوسا متعطشة إلى سفك الدماء ونشر الخراب. فالديمقراطية ليست آليات ونصوصا قانونية ودولة لها دستور ، بل هي قبل كل شيء ثقافة تحدد آليات اشتغال ذهنية الشعب بما يجعلها تستوعب قيم الديمقراطية وتستبطن مبادئها وتتمثل مكاسبها .

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة