بين الفكر والسياسة

بين الفكر والسياسة

  • مـــــريــــة   مــــكريـــم
  • كتب يوم الأربعاء 08 مايو 2013 م على الساعة 22:53

علاقة الفكر بالسياسة علاقة جدلية، فالفكر يضع الضوابط والأطر الفكرية التي توجه السياسة، والسياسة تعترضها العديد من الإشكاليات الواقعية التي تتطلب إعمال أدوات الفكر لتحليلها وتوفير الإجابات اللازمة للمساهمة في حلها..   وقد كان الرعيل الأول من السياسيين المغاربة صاحب فكر سياسي يجتهد في تطويره باستمرار، وقد برز من بينهم علال الفاسي ومحمد بن الحسن الوزاني والمهدي ابن بركة وعبد الله إبراهيم وغيرهم..وقد لعب الفكر السياسي لهؤلاء الرجال دورا كبيرا في الارتقاء بلغتهم السياسية إلى مستوى يحترم ذكاء الجمهور ويثق في قدرته على تحليل الأشياء..   لم تنحصر جهود هؤلاء الزعماء في خوض المعارك السياسية اليومية في زمن كان المغرب يتلمس طريقه نحو الديموقراطية، وإنما كانوا يختلون بأنفسهم لساعات للتأمل والكتابة وتوسيع آفاق فكرهم لاستيعاب التحديات التي تطرحها إشكالات بناء الدولة الحديثة..   وهكذا ورغم حدة الخلافات السياسية والشخصية التي كانت بينهم فقد حافظوا على لغة سياسية مهذبة تنهل من الفكر وتحاول أن تضفي على هذه الخلافات مسحة فكرية وسياسية..   في اللحظة الراهنة تعيش المنطقة على إيقاع تحولات سياسية كبرى، وهي تحولات تطرح سؤالا مصيريا كبيرا حول المستقبل، حول طبيعة النظم السياسية الجديدة في المنطقة، حول الخريطة الإقليمية الجديدة التي تتشكل على إيقاع صراعات مذهبية وطائفية خطيرة، حول علاقة الدين بالسياسة، حول التحديات الاقتصادية والاجتماعية، كل هذه الأسئلة تتطلب أجوبة استراتيجية لا أعتقد بأن أي طرف سياسي يمكن أن يجيب عنها لوحده..   وفي الوقت الذي كانت بلادنا في أمس الحاجة، إلى سياسيين كبار في مستوى طبيعة المرحلة، ابتلينا خلال هذه الأيام ببعض أشباه السياسيين نزلوا بالسياسة إلى لغة منحطة تفتقر إلى أبسط قواعد الاحترام واللياقة..   لا يتعلق الأمر بالحق في ممارسة النقد، ولكن وصلت الأمور إلى مستوى التجريح الشخصي والقذف العلني والسب..   وهذا مسلك خطير يزيد في تعميق الهوة بين المواطن والسياسة ويزيد في تكريس منطق الانعزال السياسي وإضعاف قيمة المشاركة..   طبعا، نحن لسنا ضد اعتماد لغة سياسية بسيطة تجعل المواطن العادي قادر إلى حد ما على فك طلاسم السياسة المغربية وفهم بعض أسرارها، لكن هناك فرق كبير بين البساطة في الخطاب وبين شعبوية الخطاب..   البساطة المقرونة بالصدق والواقعية والصراحة تختلف كثيرا عن الشعبوية التي ترتكز على المناورة والخداع وتضليل الجماهير ، المقرونة بالكذب وشراء ضمائر المستضعفين..   البساطة تعني تبسيط المفاهيم والقضايا المعقدة في مجال تدبير السياسات العمومية وجعلها في متناول المواطنين، كما تعني تفكيك الألغاز المحيطة بعالم السياسة ورفع منسوب التسيس داخل أوساط شعبية ظلت بعيدة عن عالم السياسة..   البساطة لا تتوسل بتسويق الأوهام ولا تعني الكذب وتزوير الحقائق، ولا تعني توظيف البلطجة والعنف لخدمة أجندتها السياسية..ولكن البساطة في الخطاب المقرونة بالتواضع في السلوك تعتمد لغة الإقناع وشرح القرارات السياسية والاقتصادية المعقدة بلغة سياسية مفهومة ..   وقبل ذلك لغة نابعة من مصداقية صاحب الخطاب.. المصداقية الأخلاقية والسياسية قبل كل شيء..

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة