الــقــرار 2099 | فبراير.كوم | موقع مغربي إخباري شامل يتجدد على مدار الساعة

الــقــرار 2099

  • مـــــريــــة   مــــكريـــم
  • كتب يوم الأربعاء 08 مايو 2013 م على الساعة 0:13

اجتازت الدبلوماسية المغربية، هذه الأيام، اختباراً عسيرًا وشاقًا ومحنة قاسية، تَمَّ الخروج منهما بسلام. الحكومة كانت، عمليًا، على هامش الحدث، والقصر تدخل بقوة لتوجيه الحدث، والأحزاب انتظرت أن تأتي المبادرة من القصر لتتحرك. كانت الأحزاب تعلم أن محاولة توسيع صلاحيات المينورسو لتشمل مراقبة حقوق الإنسان في الصحراء، قائمة منذ مدة، ولكنها لم تفعل أي شيء لإقناع من يجب إقناعهم بعدم صواب المحاولة والسعي لإزاحة كل العناصر التي تعزز موقف أنصار تلك المحاولة، وبعد أن تمَّ الاجتماع بالديوان الملكي، اعتبرت الأحزاب أن الحاجة أصبحت تدعو إلى الالتزام بدرجة أكبر من التعبئة وإلى دعم ما اعتبرته معركة جديدة دخلها المغرب. مشروع القرار الأمريكي الذي نص على توسيع صلاحيات المينورسو، فيه إضرار كبير بالموقف الرسمي المغربي. يكفي أن تكون البوليساريو قد طالبت بهذا التوسيع لنعرف من سيكون الخاسر ومن سيكون الرابح من اعتماد هذا المستجد. إن المصادقة على المشروع كانت ستعني، بالعربي الفصيح، أن هناك مشكلة حقوقية في الصحراء المغربية، وأن الدولة المغربية لم تعد مؤتمنة على تدبير قضية حقوق الإنسان بالصحراء، وأن كل الترسانة المغربية من قضاء وإدارة ومجلس وطني لحقوق الإنسان ومندوبية ولجان جهوية ووسيط، لا تستطيع ضمان مراقبة حقوق الإنسان على الوجه المطلوب في الأقاليم الجنوبية. وطبيعي أن يشعر المغرب بأن مشروع القرار الأمريكي يمكن أن يكون مدخلاً للانتقاص من سلطات المغرب، وتكليف المينورسو، مثلاً، في المستقبل، بتدبير الثروات الطبيعية في الصحراء، كما تطالب بذلك أيضًا جبهة البوليساريو. كان مشروع القرار الأمريكي مناسبة لكي تستخرج الدولة والأحزاب عددًا من أسلحتها المعروفة في الترافع : فتَمَّ الإلحاح على أن المغرب يرفل في سرابيل الديمقراطية وأنه «ضحية فضائه الديمقراطي الرحب»، فالمتاعب التي تلاحقنا مصدرها جرعة الديمقراطية الزائدة، وأن حقوق الإنسان مكفولة، في الشمال والجنوب، بفضل نجاعة وفعالية الآليات التي وضعها المغرب لخدمة هذه الحقوق، وأن هناك، فقط، حالات معزولة للانتهاكات، وهناك عجز لدى من يدعي العكس في إثبات ما يدعيه، وأن الغرض من سعي خصوم وحدتنا الترابية إلى توسيع صلاحيات (المينورسو) هو التهرب من المفاوضات، وتجنب الانخراط الجدي في مسلسل التسوية، وتحريف مسار هذا المسلسل وزرعه بالألغام، وإفشال مبادرة الحكم الذاتي، ووأد اتفاق 1991، فما دام هذا الاتفاق، في شكله الأول، كان ثمرة تفاوض، فيتعين إخضاع أي تعديل يُراد إدخاله على أسس الاتفاق، إلى تفاوض جديد. وذهب البعض، في تصريحات مذاعة على نطاق واسع، إلى أن السلوك الأمريكي الحالي يكشف عن نية مبيتة لتأبيد الصراع في المنطقة، وأن هذا السلوك يترجم تناقضات تعتمل في دائرة مركز القرار الأمريكي ويمثل نوعًا من التغول الممارس من جناح يكره المغرب وينخرط في مناورات خصومه، وأن أمريكا غير مؤهلة لتقديم دروس في احترام حقوق الإنسان. بل لوحظ ظهور نوع من النزعة المعادية لأمريكا، بشكل فجائي وفي ما يشبه الانقلاب، وأُطلق العنان لتصريحات، تُقَيِّمُ مواقف مسؤولين أمريكيين، من النوع الذي لو كان صدر عن أمريكيين حيال مسؤولين مغاربة لاعتُبر من طرفنا تدخلاً في شؤوننا الداخلية وإخلالاَ بالاحترام الواجب لممثلي الدولة المغربية.      لكن الذي لم يُقل، أو لم يُقَلْ بالقدر الكافي من الوضوح، هو حصول الكثير من الاعتداءات على الحقوق والحريات في الصحراء، وتزامن المشروع الأمريكي مع تقارير لمنظمات حقوقية دولية مستقلة سجلت وقوع هذه الاعتداءات. والذين ينازعون في مغربية الصحراء وجدوا في الخروقات التي تطال حقوق الإنسان بالمغرب أساسًا لخدمة أهدافهم، علمًا بأن المنظمات الحقوقية عبر العالم، وحتى بدون وجود أي ارتباط مصلحي خاص بالبوليساريو أو بالجزائر، تجد نفسها، في الكثير من الأحيان، منساقة تلقائيًا وراء إغراء شعار تقرير المصير. إذن، في جميع الأحوال، وبصرف النظر عن المصالح والحسابات الأمريكية ومدى شرعيتها أو عدم شرعيتها، وخارج أي دفاع عن الولايات المتحدة، فإن المشروع الذي تقدمت به جاء منسجما مع القناعة، التي تولدت لدى جزء كبير من الرأي العام الدولي وحتى وسط حلفائنا، بأن المغرب يخرق حقوق الإنسان في الصحراء. وشيئًا فشيئًا لم يعد بإمكان الدول في عالم اليوم، أن تخفي بسهولة ما تباشره من انتهاك. وحينما نتحدث عن خرق حقوق الإنسان، فإننا نعني به الخرق كما يفهمه الآخرون وليس كما نفهمه نحن. فطرد عشرات من المواطنين الأمريكيين الذين اعتبرناهم مُبَشِّرِينَ، دفعة واحدة وفي بضع ساعات وبدون قرار قضائي وبدون تَحَرٍّ كافٍ وتحت شعار الدفاع عن «الأمن الروحي» للمغاربة، هو عمل لا يمكن أن يمر بدون ثمن، ولا يمكن أن يمر بدون أن يخلف أثرا سلبياً على الصورة الحقوقية للمغرب وبدون أن يُعتمد كقرينة على عدم صواب الطريقة التي تنظر بها السلطات المغربية إلى قضية حقوق الإنسان وكقرينة على ما يمكن أن يجري بالصحراء. هذا، بالإضافة إلى مخلفات قضية أمينتو حيدر، وطرد أو منع صحفيين وحقوقيين أجانب من زيارة الصحراء بدعوى انحيازهم إلى الجهة الأخرى، وطريقة مداهمة البيوت واعتقال الشباب الذين اعتُبِرُوا مسؤولين عن أعمال العنف التي صاحبت أو أعقبت إجلاء معتصمي مخيم اكديم إيزيك.. في النهاية، صدر القرار 2099 الذي صادق عليه مجلس الأمن، بدون أي إشارة إلى توسيع صلاحيات المينورسو، واعتُبر ذلك انتصارًا للمغرب، رغم أن الانتصار الحقيقي، في نظرنا، كان سيتمثل في تغلب المغرب على العوامل والظروف والملابسات التي أدت في الأصل إلى وجود المشروع الأمريكي. لكن يكفي اليوم تأمل رد الفعل الغاضب من جانب البوليساريو للخلوص إلى أن المغرب، على كل حال، تمكن من تجنب ضربة كانت بلا ريب ستكون مؤلمة. لكن، إذا اعتبرنا أن المغرب انتصر سياسيًا، فهو انهزم حقوقيًا. فرد فعل السلطات المغربية حيال قضية توسيع صلاحيات المينورسو وكثافة التحركات التي باشرتها والحزم الذي تعاملت به مع المسألة دفع بعض المنظمات الحقوقية الدولية الوازنة إلى الاشتباه في الأمر، والتساؤل عن الأسباب التي أدت بالمغرب إلى رفض ممارسة المينورسو لمراقبة حقوق الإنسان في الصحراء، وعن مدى ارتباط هذا الرفض بالتخوف من كشف المزيد من الحقائق الخاصة بالخروقات. فمن الناحية الحقوقية الخالصة، فإن إضافة آلية دولية جديدة للمراقبة لا تتناقض مع عمل الآليات الداخلية. التحدي المطروح مستقبلاً، هو تغيير كل ما يحتاج إلى تغيير لإقناع المنتظم الدولي والمحافل الحقوقية العالمية بأن المغرب دشن مسلسلاً جديدًا وجديًا لحماية حقوق الإنسان في الصحراء وفي الشمال ولإنصاف الضحايا وتأمين المقومات الحقيقية للعدالة الانتقالية. ويُلاحَظُ أن قرار مجلس الأمن تعرَّض إلى قراءات متفائلة قَوَّلَتهُ ما لم يقله. فقد اعتبر البعض أن القرار زكى خطة الحكم الذاتي واعتبرها أساس النقاش في المفاوضات، بينما هو ذَكَّرَ بمقترحي المغرب والبوليساريو معًا، وشجع الطرفين على «إظهار المزيد من الإرادة السياسية من أجل التوصل إلى حل، بما في ذلك توسيع مناقشة مقترحيهما». فلم ترد في منطوق القرار إشارة إلى مصطلح الحكم الذاتي، بينما أورد مصطلح تقرير المصير مرتين اثنتين. المشكل إذن في العمق لم يُحَلَّ، وقضية اعتماد آليات جديدة لمراقبة حقوق الإنسان، مستقبلاً، تظل واردة، فالقرار شَدَّدَ على «أهمية تحسين وضع حقوق الإنسان في الصحراء الغربية ومخيمات تندوف، وتشجيع الأطراف على العمل مع المنتظم الدولي لوضع تدابير مستقلة وذات مصداقية لضمان الاحترام الكامل لحقوق الإنسان، آخذة بعين الاعتبار التزاماتها بهذا الخصوص وفق مقتضيات القانون الدولي». القرار عبَّر عن القلق «إزاء انتهاكات الاتفاقات القائمة» ودعا كل الأطراف إلى «احترام التزاماتها في هذا الشأن». وطالب بـ«اتخاذ الخطوات اللازمة لضمان أمن وحركة أفراد البعثة دون عائق، وضمان الولوج التام والفوري للأمم المتحدة والعاملين تحتها وفقًا للاتفاقيات الجاري بها العمل». يَخْلُصُ القرار إلى أن هناك انتهاكات تحتاج إلى خطوات ومبادرات جديدة، في شكل تدابير «مستقلة» و«ذات مصداقية» لضمان حقوق الإنسان، فكيف ستكون هذه التدابير المستقلة وذات المصداقية؟ وهل معنى ذلك أن كل ما تَمَّ تشغيله من آليات، حتى الآن، يفتقد إلى الاستقلالية والمصداقية، رغم الترحيب والاعتراف بما اتخذته السلطات المغربية في هذا الشأن، والذي اعتُبِرَ، ضمنيًا، غير كافٍ، فضلاً عن مطالبة القرار بتوفير الشروط «اللازمة» لأمن وتنقل أفراد المينورسو، دون «عوائق»، الشيء الذي يفيد ضرورة وضع حد لما يُقَدِّرُ البعض، ربما، أنها «عوائق» موجودة على الأرض ! 

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة