التفكير زمن التكفير

التفكير زمن التكفير

  • مـــــريــــة   مــــكريـــم
  • كتب يوم الأحد 02 يونيو 2013 م على الساعة 23:17

إن ما رافق ملاحظة الأستاذ أحمد عصيد في موضوع التناقض الذي تحبل به مضامين المقررات الدراسية التي تروم ــ من حيث المبدأ ــ إشاعة ثقافة حقوق الإنسان واستبطانها في نفوس النشء ؛ من ردود فعل اكتست طابع « التحريض الجهادي » ضد شخص عصيد ، والطعن المقيت في وطنيته ، حيث اتهمه خطباء من أعلى منابر الجمعة بالولاء للصهيونية والعمالة للغرب ؛ يجر المغرب إلى فتنة يعلم الله وحده مآلاتها .   إذ غابت ، للأسف الشديد ، الأصوات المتزنة وخلت صفوف التيار الديني ( إسلامييه وسلفييه وجهادييه ) من رجل عاقل يضبط إيقاع الفهم على موجهة الهدوء وحسن الظن والتأويل على النحو الذي سلكه الدكتور طارق رمضان لما غلّب العقل على « العاطفة » ، واعتمد أسلوب الباحث بدل هيجان « الواعظ » ، بحيث طالب بالتسجيل الكامل لمداخلة الأستاذ عصيد حتى تتضح له الصورة ويتبيّن الحق من التضليل ، خصوصا وكما أشارت الزميلة سناء العاجي في مقالتها بجريدة الصباح ، أن قلة قليلة هي التي شاهدت فيديو عصيد وهو يلقي كلمته ، بينما عدد المتحاملين أكثر بكثير من عدد المشاهدين .   وهذه آفة الذهنية الإسلامية التي تستسلم للتبعية وتستمرئ الانقياد وتستطيب الوصاية . وجاءت شهادة د. طارق رمضان عادلة ومتزنة كالتالي » لما أرسل لي فيديو الأستاذ عصيد من دقيقتين وطولب مني إبداء رأيي طالبت بالتسجيل الكامل لمداخلته ولما اطلعت عليها كاملة وفهمت جيدا كلام السيد عصيد الذي كان واضحا لا يمكن إلا أن أشاطره الرأي الذي هو ضرورة عدم تدريس مالا يناسب أعمار التلاميذ والذي قد يفهمونه أن الإسلام يحرض على العنف.   لكني لا أتفق مع شرح عصيد للرسالة وهذا غير مهم أكثر لأنها ليس موضوع النقاش ، فقط قدمها المحاضر كمثال). فهل ينسحب الحكم بأن « عصيد عدو الله  » على طارق رمضان ؟ لا شك أن قول د. طارق رمضان يتناسب مع الحديث النبوي الشريف الذي أخرجه الأمام مسلم عن ابن مسعود قوله: (ما أنت محدثا قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنه) .   وكذلك ما روي عن علي بن أبي طالب قوله (خاطبوا الناس على قدر عقولهم أتحبون أن يكذَّب الله ورسوله) . وكما أثارت ملاحظة الأستاذ عصيد أن رسالة النبي (ص) « اسلم تسلم » قد يفهم منها ناشئتنا ما يتعارض مع حرية الاعتقاد ويشي « بالترهيب » ، أثارت أيضا ملاحظات مماثلة في موضوع الفتوى التي تبيح زواج القاصرات حيت اتُّهم أصحابها « بالبيدوفيليا » لأنها فتاوى باتت شاذة ولا تنسجم مع قيم العصر التي تصون حقوق الأطفال بعد أن رفعت سن الطفولة إلى 18 سنة . فالاتهام « بالبيدوفيليا » لا ينسحب على ما سبق من أزمنة لم تسُد فيها قيم الطفولة وضرورة رعاية حقوقها ؛ لكن لن ينجو اليوم من هذا الاتهام أي شيخ أو فقيه يجيز زواج القاصرات مهما تحصن بالنص الديني .   وكذلك هو الحال في مسائل دينية « معلومة من الدين بالضرورة » وينص عليها صريح القرآن كإلزام غير المسلمين بدفع الجزية ، بحيث باتت خارج سياقها التاريخي والاجتماعي والسياسي في ظل الدولة المدنية التي تتأسس على قيم المواطنة ودستور يساوي بين جميع المواطنين على اختلاف دياناتهم ومذاهبهم، وقوانين تضمن الحقوق لكافتهم دون تمييز عرقي أو جنسي أو مذهبي . ولا يجد المسلمون حرجا ولا غضاضة في المطالبة بالمساواة أمام القانون وتشديد العقوبة على السارق أو القاتل دون تفريق بين الذكر والأنثى أو بين المسلم والكتابي ، أو بين المسلم والكافر ، علما أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال : « عقل الكافر نصف دية المؤمن . » رواه أصحاب السنن.وقال أيضا  » دية المعاهد نصف دية الحر « .   وفي السنن أن النبي (ص) جعل دية الذمي نصف دية المسلم. وجاءت السنة موضحة ومؤجرئة للقرآن الكريم ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى) البقرة 178 .   ما يهم من هذه الأمثلة هو بيان مساحة الاجتهاد ومنطقة العفو التي يتوجب على المسلمين بذل الجهد الفكري لجعل النص الديني يساير حركية المجتمعات الإنسانية ويستوعبها الفقهاء وهم يشرحون للناس ويبينون لهم أمور دينهم بما لا يجعل المسلمين في صدام مع القيم الإنسانية النبيلة . وقد انتبهت وزارة التعليم ، بعد أحداث 16 ماي 2003 ، إلى مضامين المقررات الدراسية ، خاصة في مادة التربية الإسلامية ، التي كانت تنص على قتل المرتد / الكافر .   الأمر الذي وضع تلك المقررات موضع اتهام بالتحريض على التكفير والقتل والكراهية ، فيما دستور الدولة يقر بحقوق الإنسان كما هي متعارف عليها دوليا .   إن بناء الإنسان السوي الذي يعيش عصره ويتشبع بكل القيم النبيلة والمبادئ السامية التي صاغتعا البشرية وتوافقت شعوب الأرض على سموها ، ومنها حرية الفكر والاعتقاد التي تكسر كل رقابة على الضمير وتمنع تصنيف المواطنين على قاعدة التدين ؛ إن بناء هذا الإنسان الكوني يستوجب القطع مع ثقافة الغلو وفقه القتل . ولعل الفتاوى التي تطارد الأستاذ عصيد ومناخ الكراهية الذي أشاعته ، لا تستهدف عصيد فقط ، وإنما المشروع المجتمعي الديمقراطي والحداثي الذي يناضل من أجله . فكان سلاح التكفير لمواجهة حرية التفكير . والآن وجب قلب المعادلة لتصير « التفكير في مواجهة التكفير » .

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة