هذا سر العلاقة بين الله والملك محمد السادس والملكية نابعة من الحق الالاهي وهو محاط بالغموض وله شرعية الفعالية والنخبة متردية | فبراير.كوم | موقع مغربي إخباري شامل يتجدد على مدار الساعة

هذا سر العلاقة بين الله والملك محمد السادس والملكية نابعة من الحق الالاهي وهو محاط بالغموض وله شرعية الفعالية والنخبة متردية

  • مـــــريــــة   مــــكريـــم
  • كتب يوم الثلاثاء 27 أغسطس 2013 م على الساعة 12:27

الله كلي القدرة، يسمو على عرشه بعيداً في السماوات، ولا يجرؤ مؤمن أبداً على التذمر أو على التساؤل حول غيابه/حضوره. على العكس من ذلك، فإنّ طبيعته غير المادية هي ما يصنع وجوده الكلّي، إذ يفترض به أنه يتحكم بكل شيء، ويدير كل الأمور، ويسيطر عليها. العلاقة مع الملك تجدر العودة إلى صورة الله تلك، وإلى العلاقة الحميمة التي يرعاها مع المؤمنين به، بهدف طرح السؤال المناسب حول الملَكية في المغرب والعلاقة مع الملك. ليس سراً أن الملَكية في المغرب نابعة من الحق الالهي. الملك لا يشبه القادة الآخرين، الخارجين من صناديق الاقتراع، أو من ميدان معركة عسكرية جديدة. للملك في المغرب طابع سماوي، وهو يعيش في وسط آخر، محاط بالغموض. إن مجمل منطق العلاقة التي تربطه برعاياه متشبع بهذه الخاصية. وللمفارقة، فإنّ البعد والقرب معاً هما مفتاح تلك العلاقة. الملك السابق المتعالي والصارم في ظل حكم الملك الحسن الثاني، اعتنى البروتوكول كثيرا بتلك الصورة عن الملك المقيم في الأعالي، والذي يسمو عن النقاشات السجالية، البعيد، وذي الوجه المغلق عن أي علامة ضعف. هو في قصوره ويحكم البلاد عبر محطات ثابتة فعلياً، ويدير الأمور من خلال شبكة من الوسطاء، كالله الآب مع رُسله. وعندما يخرج على رعاياه، فهو دائماً يولد صورة قبضة صلبة، أكان خلال ظهوره تلفزيونياً أو لدى قيامه بجولات على المناطق. وتندرج هذه الجولات في إطار تقاليد «الحرْكة»، عدا أنّ وسائط النقل باتت حديثة، ولم تعد وسائل التواصل السريع تترك مكاناً لرواج خطابات انفصالية كانت في الماضي تتغذّى من الشائعات بسبب بُعد السلطة. الملك موجود، أكان على ظهر حصانه، أو في العربة، أو على أثير الراديو أو على التلفزيون. فهو هنا، ويضع بدقّة قواعد نظام القيادة. وحضوره الجسدي أمر حيوي، على الأقل بالصورة، فيجدر به ملء المشهد غير المطهَّر بالكامل بعد من بقايا التمرد. الحيّز السياسي هو موضوع صمت محكم، والنقد الذي الخارج عن النظام لا يمرّ إلا من خلال قنوات محددة يمكن تكميمها في التوقيت المناسب. يعيش الحقل السياسي توازناً غير مستقرّ، لكن لكل طرف مكانه، والملك هو القائد الذي يهيم طيفه على المشهد. شرعية الفعالية مذاك، تغيّرت الأمور جدياً. لم تعد الملكية بحاجة للتلويح بهذه الصورة عن الملك كليّ الوجود جسدياً. اسطورة الوجود القوي للملك حتى داخل المنازل، لا تستقيم إلا في إطار المسافة التي تبقيه في منأى عن الحشود، فتقرّبه منها أكثر. سيتم تنظيم الحقل السياسي بشكل مختلف. لم تعد المعارضة مكمّمة الأفواه فحسب، بل أيضاً باتت ترى نفسها عُرضة لتفتيت متواصل. على الصعيد الايديولوجي، أصبحت المعارضة في حالة سكونية، وجاء صعود الاسلاميين ليمنحها القربان الاخير. لقد دمج النظام بذكاء جميع الأحزاب التي تملك حيثيّة ما، حتى أنه يسعى إلى إعادة الحياة بالتنفّس الاصطناعي لأعدائه التائهين. فوجود هؤلاء مفيد له، حتى يعيدوا إحياء مسرح الدمى الذي أصبحت عليه الساحة السياسية التافهة. وهكذا، أنجزت الملكية تدريجياً في ظل محمد السادس عملية نزع الشرعية عن الأحزاب الأخرى، وعطلت ميكانيزمات سيطرتها على المجالين الاجتماعي والاقتصادي، من خلال استلامها زمام السلطة بكل معنى الكلمة. فبالاضافة إلى شرعيتها التاريخية، باتت الملَكية اليوم تملك ما أسمّيه «شرعية الفعالية»، أو بكلام آخر السيطرة على خبرة الممارسة السياسية. الملك هو الوحيد القادر موضوعياً على اتخاذ القرارات الاستراتيجية، ليس تسللاً، بل لأنه الوحيد الذي يمتلك كافة الأدوات. الملك هو القطب الذي تتقاطع عنده القوى الأخرى، خصوصاً تلك التي تهيمن على قطاعات الحياة الاقتصادية وتلك التي تمتلك سلطة اتخاذ القرارات. ويعود القرار للملك بفعل عجز الآخرين عن الفعل. أصلاً، فإنّ الأيام المئة الأولى لحكومة عبد الرحمن اليوسفي، التي عُرفَت بحكومة التناوب، كشفت عن هذا العجز. كشفت اوراق التركيبة السلطوية الجديدة، حيث بات اللجوء إلى الملك لكي يقول القانون، أي يدير حيث يفشل الآخرون. منذ ذلك الحين، أصبحت الطبقة السياسية خاضعة للوصاية، وتضاءل حجمها بفعل ضعفها الخاص، وناشدت الملك لكي يعالج خلافاتها الداخلية الخاصة. وبات حضور الملك أقوى من أي وقت مضى. وراحت جولاته على المناطق، وميله للطف، والاهتمام بالفئات الاجتماعية الفقيرة، تجعله أقرب إلى الناس، في إطار من الحضور والالفة، المتناقض تماماً مع الطاغٍي المستبدّ. تغلبت الوداعة على الخوف. لم يكن الملك المغربي أقرب يوماً إلى رعاياه، بالرغم من المسافة! من هنا، فإنّ التذمّر من الغياب لم يعد يطابق تحليل الملكية المغربية، بل هو ضعف في النظر. ملك ضروري وقريب من الناس ضعف القرار الحكومي ولاعبيه الجدُد هو العنصر الجديد. إنّ الطبقة السياسية غائبة عن القرار لأنها مؤلفة من نخبة متردية وبلا أفق، مفتتة ومتروكة لمصيرها، وتتعاطى مع نفسها على اعتبار أنها يتيمة عندما ينتقل الملك إلى قصر أغادير. ومنذ بداية عهده، أخذ الملك محمد السادس مسافة، وأظهر نوعاً من الخفر حيال الممارسة المتباهية للسلطة. وهي ملاحظة يصعب التشكيك بها. واليوم، تسمح له قوته بالتنقل كيفما يشاء، فلا شيء يتحرك من دون إرادته. ولكنّ ضغط الأحداث، وأنماط عمل الطبقة السياسية والتماساتها، أعادت العمل بطقوس بروتوكولية كان قد بدا، خلال السنوات الأولى لحكم محمد السادس، أنها في طريقها نحو النسيان. ومن الأمور التي يمكن استخلاصها من المشهد الحالي، هو غياب الطبقة السياسية الحاكمة بسبب وضعيتها القاصرة التي تجعلها باحثة دوماً عن معلّم وصيّ عليها. إنّ حراك القادة الجدُد في طول البلاد وعرضها، يهدف بالتحديد إلى تصويرهم وكأنهم موجودون بالفعل، لكن ذلك مجرّد وهم. فمسرح الدمى لا يمكنه أن يعمل بنفسه، وبينوكيو بحاجة دائماً لمعلّمه ليبقيه واقفاً على رجليه ولكي يعظه عند اللزوم.

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة