الـداء والـدواء

الـداء والـدواء

  • مـــــريــــة   مــــكريـــم
  • كتب يوم الخميس 06 يونيو 2013 م على الساعة 23:27

برزت في المغرب، منذ عدة سنوات، مشكلة حقيقية اسمها « الفتاوى ». البعض يطلق على المشكلة مصطلح (فوضى الفتاوى)، والبعض الآخر يستعمل تعبير (عبث الإفتاء)…إلخ. المهم أن عددًا كبيرًا من المتتبعين للشأن المغربي يشتركون في استنتاج واحد وهو أن قضية الفتاوى تمثل ظاهرة مقلقة، لا يمكن التغاضي عنها أو تجاهلها أو إهمال معالجتها.   يتعلق الأمر بسيول جارفة من الفتاوى التي تصدر عن هذه الجهة أو تلك، أو ترد على لسان هذا الشخص أو ذاك أو تُنشر في منبر أو آخر. وتطرح مضامين تلك الفتاوى إشكالا جوهريًا، من زوايا متعددة، بحكم أننا نجد أنفسنا، في الكثير من الأحيان، أمام :     – فتاوى تتعارض مع حقوق الإنسان، أي تقضي بحكم يُعتبر مخالفًا لما وقع تثبيته في الصكوك الدولية الخاصة بحقوق الإنسان عمومًا، وحقوق الطفل والمرأة على وجه الخصوص. ونذكر، في هذا الصدد، بفتوى السماح بتزويج بنت التاسعة؛   – فتاوى تقترح على المتلقين تنظيم شؤون حياتهم بشكل مخالف للقوانين والنظم الجاري بها العمل بالبلاد، وبالتالي تُعَرِّضُهُم للجزاءات السارية على المخالفين أو تضعهم في مواجهة تعقيدات لم يهيئوا أنفسهم لمواجهتها ولم يتح لهم العلم بها والانتباه إلى وجودها. ونذكر، هنا، بالفتوى التي تعتبر ممارسة الزوج للجنس على جثة زوجته عملاً جائزاً شرعاً، وهو في الأصل جريمة، وبالفتوى التي تعتبر أن الشرط الوحيد لمن يود الزواج بثانية أو ثالثة أو رابعة هو العدل بين الزوجات، وبالفتوى التي تعتبر أن الطلاق المعلق على فعل شيء أو تركه طلاق نافذ، وبالفتوى التي تجيز ضرب الأستاذ لتلاميذه عند الاقتضاء، وبالفتوى التي تشترط الولي في الزواج في كل الحالات والصور، وبالفتوى التي تعتبر أن الواجب الشرعي على كل محام علم بأن موكله ظالم، هو التنحي « فورًا » والتنازل عن النيابة…إلخ؛   – فتاوى تقدم معلومات أو تفرض سلوكات متناقضة مع ما توصل إليه العلم الحديث، مثل الفتوى التي تجيز للمرأة الحامل شرب الخمر حتى لا يُصاب الجنين بتشوه في جسمه، والفتوى التي تعتبر أن معالجة الصرع و »السحر » يكون بقراءة القرآن، والفتوى التي تدعو من يعتقد بأن عدم إنجابه كان بسبب السحر إلى مراجعة رجل صالح يتولى العلاج بالرقية الشرعية، والفتوى التي تعتبر أن قص الحواجب يؤدي إلى الإصابة بأمراض؛   – فتاوى تجيز ممارسة العنف، مثل الفتوى التي تجيز للزوج ضرب زوجته ضربًا « لا يعني الإذاية الجسدية » وإنما « يعني كسر أنفتها وتأبيها على زوجها » !   – فتاوى تجافي النظر العقلي السليم مثل الفتوى التي تقضي بأن ما يحصل عليه زبون البنك من فوائد يجب التصدق به، فقط، لإصلاح المراحيض، والفتوى التي تمنع على المرأة « التجمل بأفخر الملابس » وهي خارج بيتها، بمعنى أن عليها أن تسعى إلى ارتداء ما هو دون ذلك، والفتوى التي تحظر على المرأة استعمال العطر خارج بيتها، والفتوى التي تحظر قيام صداقة عميقة بين المسلم وغير المسلم !   – فتاوى لا تتماشى مع التزامات المغرب الدولية، باعتباره عضوًا في المنتظم الدولي مطوقا بواجب « التعامل بالمثل » واحترام تعهداته والجنوح إلى السلم. بعض من هذه الفتاوى، يعتبر قضية الصراع في فلسطين، مثلا، قضية صراع بين المسلمين واليهود، وليس قضية احتلال ونضال من أجل إنهاء الاحتلال، وبالتالي، فالصراع، تبعًا لذلك، لن ينتهي بانتهاء الاحتلال، بل بنهاية العدو، وليست الشرعية الدولية هي مرجع الاحتكام بل الأمر الإلهي المستند إلى غائية تاريخية تعدنا بالنصر المبين واسترجاع أمجاد الماضي. وبعض الفتاوى يقدم، ضمنيًا، سنداً لتسويغ الحروب الدينية، بتقريره، وبدون أي احتراز، شرعية تمني الموت شهادة ل « إعلاء كلمة الله »؛   – فتاوى تتبنى التمييز بسبب الانتماء الديني، مثل الفتوى التي تحرم على المرأة المسلمة عرض نفسها على طبيبة غير مسلمة إذا كان هناك طبيب مسلم ذكر رغم أن نفس الفتوى تحرم لجوء المرأة إلى طبيب ذكر في مدينة توجد بها طبيبة؛   – فتاوى تطالب بأوضاع مستحيلة التطبيق، مثل الفتوى التي تدعو جميع العاملين في الأبناك وشركات التأمين في المغرب إلى مغادرتها والبحث عن عمل آخر؛   – فتاوى مخالفة للذوق ومثيرة للسخرية، مثل الفتوى التي تجيز للمرأة أن تستعمل الجزر ويد المهراس كأدوات للجماع، حتى لا تقع في الزنا متى اشتدت بها الشهوة.   إن هذه المضامين، التي لا علاقة لها بشروط الحياة في مجتمع ديمقراطي حديث، تتسم بطابع أصولي، فهي فتاوى أصولية. وهذا النوع من الفتاوى يستمد أصوليته من المنهجية المعتمدة فيه :   – فهي منهجية تستند إلى قراءة حرفية للنصوص. ومثل هذه القراءة لا يمكن أن تكون إلا انتقائية، إذ يستحيل على الذين يتبنونها أن يعمدوا إلى تعميمها على جميع النصوص، فيفضلون إعمال هذه القراءة على نصوص معينة، واستثناء نصوص أخرى بدون مسوغ منسجم مع المنطق الذي ينطلقون منه. وهذا أكبر وجه للتناقض في الفكر الأصولي؛   – وهي منهجية ترتكز أساسًا على الاجتهادات والتأويلات التي تم ترجيحها منذ 12 قرنًا، وترفض مراعاة التطور، إلا إذا أُكرهت على هذه المراعاة ولم تجد بدًا من مسايرة الواقع على مضض، وتتجاهل المجهود التنويري لفكر النهضة قبل أكثر من قرن وتعتبره قوسًا أُغلق، كما تغض الطرف عن الاجتهادات الرائدة لفرق وفقهاء سابقين؛   – وهي منهجية تتسم بسعي حثيث نحو التعسير، فتوقع على عاتق المسلم أقسى الواجبات وأشدها مشقة وعنتا، وتفرض عليه نمطًا من الحياة فوق ما يستطيع البشر تحمله، دفاعًا عن نموذج نظري لم يحصل قط ولن يحصل أبدًا؛   – وهي منهجية تتجاهل ضرورة الرجوع أساسا، في تدبير أمور المعاملات، إلى قاعدة المصالح المرسلة انطلاقًا من مبدأ (حيثما كانت المصلحة فثمة شرع الله)، وتتجنب الاعتماد على قراءة تاريخية ومقاصدية متنورة وتأويلية وعقلانية لثراتنا الديني؛   – وهي منهجية تقدس الماضي، بدعوى الرغبة في العودة إليه، وتخاصم الحاضر والمستقبل، وتخفي كل عيوب وتناقضات ونقاط ضعف التجربة التاريخية للإسلام والمسلمين؛   – وهي منهجية تبرع في اصطناع الأعداء. داخليًا، كل صاحب فكرة أخرى يتم تكفيره بسهولة فيتحول إلى عدو متحالف مع أعدائنا الخارجيين أو عميل لهم؛ خارجيًا، لا يحيط بنا إلا الأعداء المتربصون. طبعا، هناك في الغرب، مثلاً، يمين متطرف يخل بأسس التعايش، ولكن أغلب مشاكلنا هي نتاج أخطائنا قبل كل شيء.   لقد تَمَّ، رسمياً، تقديم آفة الفتاوى الأصولية على أنها سلعة مغشوشة وافدة ومستوردة من الشرق الوهابي، وأن انتشارها محليًا يعتمد على شبكة من الدعاة الأميين المحبطين، ولذلك يمكن الحد من الظاهرة ومعالجة « الداء »(*) من خلال وصفة دوائية من أربع وسائل :   الوسيلة الأولى هي مغربة الفتوى، وذلك بفرض الاعتماد، في المغرب، على الفتاوى التي تُنتج محليًا، ورفض الدخول أو الانخراط في أية مؤسسة عالمية للإفتاء. ما يُلْزِمُ المغاربة هو الفتاوى الصادرة عن مغاربة، وفتاوى الشرق لا تعني إلا المشارقة؛   الوسيلة الثانية هي تأميم الفتوى بجعل الدولة المغربية هي المخولة وحدها حق الإفتاء، وهي مستعدة لتحضير الاعتمادات والوسائل الكافية لإشباع حاجة الناس إلى الفتاوى، مما سيعفيهم من اللجوء إلى قطاع خاص غير مهيكل في أغلبه؛   الوسيلة الثالثة هي تنظيم حقل الفتوى، وذلك بإنشاء مؤسسة وطنية داخل المجلس العلمي الأعلى وإنشاء مجالس علمية محلية، وتحديد مسطرة استصدار الفتوى واستلزام شروط علمية في أعضاء تلك المجالس؛   الوسيلة الرابعة هي الرئاسة الملكية للإفتاء، باعتبار الملك أميرًا للمؤمنين.   لقد أُوكل إلى المؤسسة الرسمية أمر « ضبط » الفتوى والحد من الانزلاقات ومحاصرة الفكر الأصولي، لكن بعد نشر فتوى قتل المرتد، المغرقة في الأصولية، من قبل الجهاز الرسمي نفسه، ظهر بأن الترسانة التي أُعدت، ظاهريًا، لاستئصال الأعشاب الضارة، تنتج، هي الأخرى، نوعًا آخر من تلك الأعشاب؛ وبعبارة أخرى، أطلت علينا من خلال تلك الفتوى أصولية الدولة التي تعيش بيننا، لكنها تحاول التخفي.

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة