الريسوني ضد بنكيران! | فبراير.كوم | موقع مغربي إخباري شامل يتجدد على مدار الساعة

الريسوني ضد بنكيران!

  • مـــــريــــة   مــــكريـــم
  • كتب يوم الإثنين 17 يونيو 2013 م على الساعة 23:13

« مما يلاحظ في السنين الأخيرة أن الخطاب الإسلامي لدى عدد من أصحابه بدأ يتقلص فيه اعتماد المرجعية الإسلامية وحضورها بشكل واضح ومتزايد، وبدأت تصبح فيه هذه المرجعية باهتة ومحتشمة، لصالح اعتماد المرجعيات السائدة: سياسية كانت أو إعلامية أو ثقافية أو قانونية »   الفقرة أعلاه،ليست سوى مٌفتتح المقال الأخير لعالم الدين،السيد أحمد الريسوني،و هي اذ تنطلق-بالتأكيد- من ملاحظة حول إشتغال الخطاب السياسي لحزب العدالة و التنمية،بعد قيادته التجربة الحكومة،فإنها في الواقع لا تفعل سوى أن تعيد الوقوف على ما قد يعتبر قاعدة عامة سارية،و قانونا تاريخيا نافذاً،تحكم الانتقال من خطاب المعارضة الى خطاب التدبير،خاصة لدى الأحزاب ذات الهوية الأيديولوجية الواضحة ،حيث يأخد هذا الإنتقال طابعا أكثر حدةً.   في حالة حزب العدالة و التنمية،فإن الانتقال يبدو مضاعفاً،فالحزب -من خلال امتداداته التاريخية-الذي جرب التحول من الدَّعوة الى السياسة،بعد مباشرته لمراجعات عقد الثمانينات،يحاول منذ مرحلة انطلقت عبر التجربة البرلمانية و المساهمة في التسيير الجماعي،و صولا الى قيادة التجربة الحكومية،تدبير الانتقال من خطاب سياسي عام ،حول السلطة و المجتمع و القضايا العامة،الى خطاب حول السياسات العمومية.   هذا الإنتقال الضروري ليس سهلاً،و لا بدون كلفة ايديولوجية،ربما يكون عنوانها البارز ظهور توترات قوية في المستقبل على مستوى العلاقة مع الوعاء الدعوي لحركته السياسية. لا شك أن التدبير العام،يفرض على مٌزاوليه،تحولاً كبيراً في الخطاب،الذي يصبح أكثر نسبية وبراغماتية،أميل الى الاعتدال ،و أبعد ما يكون من « المنبرية ».   إن بين الفقيه و الدَاعية، وبين المنظر الايديولوجي ،و بين السياسي ،و بين الفاعل الحكومي ؛مدبِر السياسات،إختلاف في الوظيفة و اللُغة و الخطاب ،و مفهوم « الزمن ».   فالفقيه يهتم بالحلال و الحرام ،بتصور الدين للحياة ،و بالبحث عن السعادة في الآخرة، و بتقديم أجوبة عن أسئلة الوجود،لذلك يلوذ بخطاب « الشرع « .فيما يهتم الايديولوجي ،بتصوره للعالم و بالقضايا الكبرى و بالقيم و بتقديم أجوبة عن أسئلة التاريخ، و بالبحث عن السعادة فوق الأرض،لذلك ينتج « لغته »و مفاهيمه المتفردة القادرة على تبرير قراءته الخاصة للواقع.   و يهتم السياسي بالمشروع و الخطة ،و يقدم أجوبة عن أسئلة المرحلة التي يعيشها.فيما يهتم الفاعل الحكومي بالسياسات و ينهمك باليومي و ،و يقدم أجوبة عن أسئلة ولاية لا تتعدى ست سنوات،لذلك إنه الأكثر إدراكاً لحدود عمله و لإكراهاته،و هو الأكثر استعدادا للتنازل و التوافق و التسويات،لذلك ينتج « لغة »تنطلق من المشترك الوطني و الدستوري والقانوني و البرنامجي.   يفضل الفقيه أن ينتظر عودة التاريخ الى نقطته الأولى و أصله « الطاهر »،و يُريد الايديولوجي أن يفكر في التاريخ من باب الرغبة و الإرادة،فيما يبدو السياسي و هو يفكر من بوابة الممكن ،أكثر تواضعاً تجاه الغايات الكبرى للمشروع ،و اكثر انتباها للمكاسب الجزئية والصغيرة للتجربة.   لا بأس من أن نوقف هذه الاستطرادات،لنعود الى فقيهنا المقاصدي،فنسأله إن كان ينتظر من حكومة ذ.عبد الإله بنكيران،أن تطبق شرع الله ؟أم أن تطبق البرنامج الحكومي الذي نالت عليه تصويت الأغلبية النيابية؟نستفسره هل على الحكومة أن تلتفت الى الدستور و ميثاق الأغلبية و برامج أحزابها؟ أم الى أحكام الشرع؟   هل وظيفة الحكومة هي سياسات التشغيل، المدرسة ، السكن ، إصلاح المقاصة، العدالة الضريبية ،التقاعد،و مكافحة الفساد؟أم هي ذكر الآخرة، و قضايا الحلال و الحرام؟   لن أُجيب عن هذه الأسئلة، لكنني سأترك ذلك لحزب العدالة والتنمية نفسه،اذ نقرأ في أطروحة الحزب المقدمة لمؤتمره السابع، أن « مجال إشتغاله هو مجال الشأن العام،بما يعنيه ذلك من تأكيد التمييز بين مجال الإشتغال السياسي و أدواته وخطابه،و مجال إشتغال الحقل الديني و الدعوي »و انه »حزب سياسي مدني ذو مرجعية اسلامية (لكن)له برنامج سياسي مدني يعمل على تطبيقه وفق القواعد الديمقراطية،و يجيب على الأسئلة المطروحة سياسيا باعتبارها من قضايا تدبير الشأن العام »،و أن كل هذا يتم في إطار دولة يحكمها القانون؛قانون »صياغته بشرية،وضعية ،تتغير بتغير الظروف و الأحوال و بتطور الحياة البشرية،يقع باستمرار تحت الرقابة القضائية الدستورية ،و تحت الرقابة البرلمانية »   الخرجة الأخيرة للأستاذ الريسوني،قد تكون مُفيدة في طمأنة الناخبين » التقليديين « ،للعدالة و التنمية ،و لأنصاره الدعويين داخل حركة الإصلاح و التجديد،الذين يحتاجون دائما الى قضايا للتعبئة تصلح للتدافع »القيمي »داخل المجتمع،رغم أنها في المقابل قد تحمل في مضمونها -حتى بالنسبة لهؤلاء-الكثير من مخاطر تحميل الإنتظارات من تجربة حكومية- لها حدودها- بالكثير من الأوهام « الأيديولوجية »،لكن مثل هذه الخطابات من شأنها أن تغدي تدريجيا مسلسلاً من التوتر « الصامت » بين الاتجاه الدعوي و الاتجاه السياسي داخل أجيال هذه الحركة السياسية،كما أنها بالتأكيد تبقى هدية مهمة لخصوم الحزب،و مصدر إزعاج لشركائه،و عنصر تشويش بالنسبة للعديد من الذين صوتوا على العدالة و التنمية في فبراير 2011،لأسباب لا علاقة لها، في الغالب ،بمنطق الحلال و الحرام.

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة