الشرخ العميق فى الشخصية

الشرخ العميق فى الشخصية

  • مـــــريــــة   مــــكريـــم
  • كتب يوم الإثنين 17 يونيو 2013 م على الساعة 0:55

فى كلية الطب فى الخمسينيات من القرن الماضى، كان الطلاب يبتعدون عن الأحزاب السياسية، خاصة السرية خوفاً من السجن، أو رغبة فى التخرج السريع واكتساب اللقب السحرى «دكتور» وتحقيق الحلم المركب من خمسة عين (عيادة، عربية، عروسة، عمارة، عزبة). لا علاقة للحلم بعلم الطب، بل بفتح «العيادة» ومص دم المرضى، لامتلاك العربية والعروسة والعمارة والعزبة، كما فعل أساتذتهم الكبار.   أما الطالب الذى يحلم بالمجد السياسى، كأن يكون زعيماً مثل سعد زغلول، فإنه ينضم إلى حزب الوفد، نشاطه علنى لا خطورة منه، يتدرب فيه على الصعود السياسى والمرونة والذكاء الاجتماعى (النفاق) حتى يصبح وزيراً أو عضواً بالبرلمان، أو يكون زعيماً إسلامياً (مثل حسن البنا) فينضم إلى الإخوان المسلمين، نشاطهم سرى وفيه خطورة، لكن الله سوف يكافئه بقصر على النيل ومتع الدنيا (تشمل النساء)، وقصر فى الجنة ومتع الآخرة (تشمل الحور الحسان)، أو يكون زعيماً لتحرير الفقراء، فينضم إلى الحزب الشيوعى، ونشاطه سرى وفيه خطورة، لكن حلمه سوف يتحقق ويصبح زعيماً خالداً فى التاريخ مثل لينين. كنت محاطة بهؤلاء الزملاء من كل الأنواع، أرى فى عيونهم النهم لطموح يتعلق بحب الذات، تصل رسائل الحب إلى الطالبات معطرة بفورمالين الجثث فى المشرحة، المدربات الواعيات يسخرن من الطلبة المفلسين، تضع الواحدة منهن عينها على الأستاذ الدكتور، لا يهمها أن تكون الزوجة الثانية أو الثالثة، وأنه أكبر من جدها، فالحب روحانى، وسوف يموت هو عاجلاً ويفقد روحه والروحانية، وترث هى العزبة والسيارة والعمارة.   أما الطالبات اللائى تأثرن بأفلام السينما وروايات المنفلوطى وحوارات أفلاطون فتقع الواحدة منهن فى حب طالب معدم، يفضل الموت فداء الوطن، أكثر من رائحة المرضى وتشريح الجثث.   كنت فى التاسعة عشرة من عمرى أحلم بفتى الأحلام، يصيبنى الغثيان لو تخيلت نفسى ليلة الزفاف مع أستاذ من عمر جدى، أهرب منه قبل أن أفقد روحى تاركة له العزبة والعمارة والعربية، أبحث عن الفتى الشاب المعدم قبل أن يموت فى جبهة القتال، الذكريات الطفولية السعيدة رغم الألم، تجارب الحياة أثمن من الياقوت والماس، تعلمت فى مدرسة الحياة أكثر مما تعلمت فى كلية الطب والدراسات العليا.   الشرخ فى الشخصية أراه مرسوماً على عضلات وجهه وفى نظرة عينه، تشابه كبير بين من تربى فى العمل السرى والسجن، بصرف النظر عن الاختلاف الأيديولوجى أو العقائدى أو الدينى، هناك الشرخ فى الشخصية، التخفى والكذب والسرية تتحول من عادة إلى جينات شبه طبيعية، لا يندمل الشرخ وإن اختفى أثره فوق الجلد.   حياة السجن تملأ نفسه بالحزن والندم، والرغبة فى تعويض ما فات، الانتهازية تتحول من صفة شخصية إلى جينات بروتينية حمضية، يصعد فوق الآخرين للحصول على عمل ومنصب، أو للحصول على زوجة لها عمل ومنصب، يعيش من كدها وعرقها حتى يصيبها التعب أو يجف دمها، فيقفز إلى غيرها تحت اسم الحب الروحانى أو استعادة الروح قبل الموت. لكن هناك شخصيات مصرية مثل الياقوت والماس، لا تتخلى عن مبادئها رغم العمل السرى والسجن، تعيش العمر كله بقوة وصدق ونبل، وتموت فى الميدان بقوة وصدق ونبل. إنهم شباب الثورة المصرية، رأيناهم يتمردون لإسقاط النظام الفاسد السابق، واللاحق المدنى والدينى، نهتف معهم: الحرية العدل الصدق الكرامة. إنهم أبناؤنا وبناتنا وأحفادنا وحفيداتنا، إنهم المستقبل.

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة