أردوغان، روحاني وبنكيران | فبراير.كوم | موقع مغربي إخباري شامل يتجدد على مدار الساعة

أردوغان، روحاني وبنكيران

  • مـــــريــــة   مــــكريـــم
  • كتب يوم الخميس 04 يوليو 2013 م على الساعة 16:26

ما الذي يجمع، يا ترى، بين كل من رجب طيب أردوغان، رئيس الوزراء التركي، وحسن روحاني، الرئيس الإيراني الجديد، وعبد الإله بنكيران، رئيس الحكومة المغربي؟ وما الذي يفرق بينهم؟   القواسم المشتركة بين الرجال الثلاثة تظهر، مثلاً، من خلال ما يلي :   تولوا زمام المسؤولية في بلدانهم، بناء على انتخابات لم يطعن فيها خصومهم؛     قطاع واسع من الناخبة التي صوتت عليهم لا يشاطرهم ذات التوجه الإيديولوجي، ومع ذلك منحهم أصواته لاعتبارات براغماتية ومن أجل الدفع بمسار الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، وأحياناً – في حالتي روحاني وبنكيران – لانعدام بديل حقيقي وازن؛   ينتمون جميعاً إلى تيار الإسلام السياسي الذي يصرح أنه يستند إلى المرجعية الإسلامية، ويُعتبرون من الوجوه « المعتدلة » ضمن مكونات التيار المذكور؛   يجتازون اليوم، وهم في موقع السلطة، اختبار التعامل مع شارع يطالب بالتغيير. أردوغان يواجه انتفاضة ساحة « تقسيم »، وروحاني، الذي ترشح كصوت إصلاحي من الداخل، يقدر عمق الطلب على التغيير الذي جسده ربيع إيراني انطلق قبل سنتين من « الربيع العربي »، وكذلك دلالات الاحتفال الجماهيري العارم بفوزه؛ وبنكيران يعلم بأن الفضل في وصول حزبه إلى رئاسة الحكومة يعود إلى حركة 20 فبراير؛   القادة الثلاثة ينتمون إلى بلدان تأثرت، بهذا الشكل أو ذاك، بموجة الربيع الديمقراطي التي عرفتها المنطقة المغاربية والعربية، ولكن أنظمة هذه البلدان الثلاثة صمدت وحافظت على وجودها ولم تصب بخسارة فادحة؛   ينتمون إلى بلدان لها خصومة مع بعض جيرانها.   أما العناصر غير المشتركة بين الرجال الثلاثة، فتظهر، مثلا، من خلال ما يلي :   ينتمي أردوغان إلى دولة حسمت دستورياً هويتها العلمانية، بينما ينتمي بنكيران وروحاني إلى دولتين تعتبران نفسيهما إسلاميتين. وأكثر من ذلك أن روحاني هو رئيس جمهورية تمثل نموذجا نادراً للدولة الدينية في العصر الحديث؛   أردوغان وبنكيران يرأسان، كل في بلده، الحكومة الرسمية، بينما روحاني يحمل صفة رئيس الجمهورية؛   أردوغان ينتمي إلى حزب إسلامي تبنى، بالإضافة إلى إسلاميته، النظام العلماني والتزم بالعمل من داخله، بينما يظهر أن روحاني وبنكيران مازالا يعتبران العلمانية نقيضاً لـ « المرجعية الإسلامية »؛   يتمتع أردوغان بسلطة قرار حقيقية وحاسمة وفاعلة، بيد أن بنكيران وروحاني مضطران إلى تدبير العلاقة بمركز سلطة أعلى يمثل مرجع الحسم النهائي، في مرحلة يُقال عنها أنها غير عادية؛   حاز أردوغان في الانتخابات على أغلبية مطلقة في البرلمان، وفاجأ روحاني الجميع بحصوله على الأغلبية المطلقة في الدور الأول للانتخابات الرئاسية الإيرانية، أما بنكيران فلم يتمكن من انتزاع هذا النوع من الأغلبية رغم تصدر حزبه لنتائج انتخابات مجلس النواب المغربي؛   أردوغان وروحاني ينتميان إلى دولتين تمتلكان نفوذاً إقليمياً مؤكدا ومتزايداً وتسعيان إلى توسيعه وتجذيره، أما بنكيران فينتمي إلى دولة لا تتوفر، اليوم، على مثل هذا النفوذ المؤكد والمتزايد.   لقد استفادت تركيا من « الربيع العربي »، ودعمت حركة الشعوب في مواجهة حكامها، وتمكنت من نسج علاقات أوثق مع البلدان التي سقطت رؤوس أنظمتها، وأصبحت لاعباً أساسياً لا يمكن الاستغناء عنه لحل و معالجة عدد من الإشكالات المترتبة عن مجريات الربيع المذكور.   أما إيران فأصبحت، منذ سنوات، هي الآمرة الناهية في العراق وصاحبة الكلمة الفصل في الشأن العراقي. تحالفت مع الأمريكيين ووفرت لاحتلالهم كل التسهيلات الممكنة مقابل إنشاء مليشياتها داخل العراق وتسليح ودعم أنصارها، وانتهى الأمر بأمريكا إلى تقديم البلد هدية على طبق من ذهب إلى إيران التي عاثت فيه فساداً ونشرت فيه الرعب ودفعت عدداً من القيادات الشيعية الموالية لها إلى شن حملة طائفية خطيرة تُزْهَقُ فيها أرواح السنة باسم محاربة الإرهاب، ويُعتدى فيها على حقوقهم من طرف أجهزة القمع وصحوات الموت المنتشرة في كل مكان، وافتُقدت فيها الأسس الضرورية لبناء انتقال ديمقراطي فعلي. وبواسطة علاقة إيران بالعراق و بحزب الله والنظام السوري، توفرت لها وسائل امتلاك قوة إقليمية وبعض من أوراق المفاوضة مع الغرب، إلى درجة أن الدوائر الاستراتيجية الأمريكية كانت تلمح أحياناً إلى أن المنطقة قد تشهد حرباً بين الشيعة والسنة، بسبب تداعيات التأثير المتصاعد للمحور الشيعي الإيراني العراقي اللبناني المتحالف مع « خيار المقاومة » الفلسطيني السوري.   وإذا كانت إيران تزكي النزعة المذهبية الطائفية على أكثر من صعيد، وتتسبب في حصول مآس إنسانية، فإن بعض ردود الفعل التي بدأنا نعاين صدورها من بعض القيادات السنية، تغذي، هي الأخرى، هذه النزعة وتتسم بالتشنج والاندفاع، ولهذا يتعين تطويق المظاهر الأولى للمواجهة السنية الشيعية، والحيلولة، سريعاً، دون السقوط في مستنقع حرب طائفية تحرف مجرى الهبة الجماهيرية العظيمة لشعوب المنطقة، منذ حدث البوعزيزي، والتي رفع خلالها الشباب شعارات الحرية والديمقراطية والمواطنة والتسامح بطريقة أبهرت العالم كله ونالت تقديره وإعجابه؛   أردوغان رئيس وزراء إسلامي في بلد يحافظ على علاقات « طبيعية » علنية ومعروفة مع إسرائيل، رغم تزايد حدة المواجهة التركية الإسرائيلية في المنتديات الدولية؛ أما روحاني وبنكيران فهما مسؤولان في دولتين لا تقيمان مثل هذه العلاقات مع إسرائيل؛   روحاني هو رئيس جمهورية بلد يعاني – بخلاف البلدين الآخرين – من آثار العقوبات الدولية المفروضة عليه، وسيحتاج إلى الكثير من الجهد لتطبيع علاقته مع المنتظم الدولي؛   أردوغان ينتمي إلى حزب إسلامي طالما تَمَّ النظر إليه، من طرف الغرب، كنموذج للتطور الإيجابي الممكن للحركات الإسلامية في العالم العربي؛ أما روحاني فهو قائد في دولة تمثل النموذج « السيء » للإسلام السياسي. وبخصوص النموذج الذي يقدمه بنكيران ورفاقه فهو يقع في منزلة بين المنزلتين، وإن كان البعض لا يستبعد إمكان خضوع هذا النموذج لمزيد من التطور الإيجابي؛   مواطنو روحاني وبنكيران خرجوا إلى الشارع للمطالبة بإعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس جديدة؛ أما مواطنو أردوغان فخرجوا إلى الشارع للمطالبة بتغيير طريقة تدبير الرجل للحكم وليس للمطالبة بانتقال ديمقراطي، لإحساسهم بأن هذا الانتقال حصل في بلادهم.   البعض لا يعلق على روحاني أي أمل في التغيير الحقيقي انطلاقاً من كونه سليل النظام القائم وشغل منصب عضو المجلس الأعلى للأمن القومي منذ 1989، وكان عضوا في مجلس تشخيص مصلحة النظام، ومر عبر مصفاة النظام نفسه بينما أُقصي مرشحون آخرون. والبعض الآخر يعتبر أن الرجل قد يفتح الطريق نحو إصلاح تدريجي، انطلاقاً من كونه استقال من منصب أمين المجلس الأعلى للأمن القومي بعد فوز أحمدي نجاد، وأيد احتجاجات 2009، وجمد بعض الأنشطة النووية الإيرانية، ولكنه يعتبر، مثل جميع المرشحين الآخرين، أن الحق في امتلاك التقنية النووية لأغراض سلمية لا يمكن التنازل عنه بأي وجه من الوجوه.   لقد ضاق قطاع واسع من الإيرانيين ذرعاً باستمرار بنية نظام يهيمن فيه المرشد الأعلى على القرار الإيراني منذ عقود من الزمن، ويسيطر رجال الدين على المؤسسات الأساسية للدولة ويضعونها تحت الحجر وينشرون ثقافة الكبت والقهر والتنميط.   أما الأتراك فإنهم تحولوا من الاحتجاج على اقتلاع بعض أشجار منتزه وسط العاصمة لإقامة مركب تجاري وقلعة عثمانية، إلى انتفاضة عارمة شملت عشرات المدن، جعلت حكم حزب العدالة والتنمية التركي يواجه أكبر هزة منذ أكثر من عقد من الزمن.   شباب 20 فبراير، وكان بينه نجل رئيس الحكومة المغربية الآن، طالبوا بتغيير الدستور؛ أما الشباب التركي فطالب بالوفاء لروح الهوية التركية كما يحددها الدستور، وثار، إذن، من أجل الدستور وليس ضد الدستور، ورفض ما اعتبره انزياحاً عملياً عن الهوية الأتاتوركية ومشروع عودة إلى الهوية العثمانية لتركيا. صحيح أن المرحلة الأردوغانية اتسمت بالمزيد من التطور الاقتصادي والرفاه الاجتماعي والاستقرار المؤسسي والإشعاع الدولي، إلا أنها اتسمت أيضاً بالتضييق على المعارضين وتقييد الحريات واعتقال الصحفيين. وما حصل الآن من اعتداء وحشي على المتظاهرين ووصفهم بأبشع النعوت واللجوء إلى القاموس نفسه الذي استعمله الحكام المُطاح بهم مؤخراً، يطرح العديد من الأسئلة من قبيل : هل الديمقراطية دائماً لدى حكم الإسلاميين، أينما وُجدُوا، هي صناديق الاقتراع فقط؟ وهل أقصى ما يمكن أن يمنحنا هذا النوع من الحكم هو تطور الاقتصاد بدون حريات؟ وهل التصلب والاستعلاء والتهديد وتجريم الرأي الآخر هي ثوابت في خطاب الحاكم الإسلامي كلما اكتسب أغلبية انتخابية وانتفض ضده جزء من الشعب؟   وبالنسبة إلى روحاني وبنكيران : هل وجود كل منهما في الموقع الذي يُوجد فيه، هو مجرد تكتيك للتنفيس المؤقت مرتب من فوق أم هو بداية مسار جديد؟

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة