الحـق فـي الثـورة

الحـق فـي الثـورة

  • مـــــريــــة   مــــكريـــم
  • كتب يوم الثلاثاء 09 يوليو 2013 م على الساعة 17:42

الحق في الثورة حق من حقوق الإنسان، ولذلك يمكن لأفراد الشعب أن ينزلوا إلى الشارع في إطار سلمي للمطالبة باستقالة حكامهم حتى ولو كانوا قد صوتوا عليهم سابقاً، إذا ظهر لهم، في ما بعد، أن هؤلاء الحكام لم ينفذوا ما وعدوا الناس به أو أساؤوا التدبير وارتكبوا أخطاء قاتلة لم يعودوا معها صالحين للاستمرار في تسيير الشؤون العامة.     وبغض الطرف عن مآلات الوضع المصري وما يمكن أن ينتهي إليه من تطورات إيجابية أو سلبية، فإن هناك جانباً يستحق تعميق النقاش بصدده، وهو منازعة مرسي و »إخوانه » في شرعية الحركة المطالبة باستقالته وتنظيم انتخابات سابقة لأوانها، لأن هذه الحركة تمثل، في نظرهم، « انقلاباً على الشرعية » مادام الرئيس المطلوب تنحيه قد انتُخب بطريقة نزيهة وحرة ولم يتسلل إلى الحكم على صهوة دبابة.   حركة « تمرد » التي دعت الشعب المصري إلى الثورة ضد مرسي، هي حركة شبابية جديدة، نبعت من داخل الشعب، ولم تندرج ضمن ترتيب وضعه الذين أسقطتهم الانتخابات، فأرادوا أن يصفوا الحساب مع الفائزين وأن ينتقموا لخسارتهم في النزال. حركة « تمرد » أقنعت الجماهير، فتمكنت من جمع 22 مليون توقيع للمطالبة برحيل مرسي. لا شك أن الموقعين ينتفضون، اليوم، ضد النقص الحاد في المواد وتدني مستوى الخدمات العامة و »أخونة » الإدارة، وضد نوع من التدبير المفتقر إلى الوضوح والخبرة والاقتدار والخيال، وضد تفاقم المشاكل الاقتصادية والاجتماعية وارتفاع الدين العام وانهيار العملة وانكماش السياحة، وبسبب تراكم أخطاء الرئيس وفتحه جبهة صراع مع القضاء، وتسببه في استقالة عدد من مساعديه، وهو ما استمر إلى الآن، حيث استقال وزراء بالجملة وبعض المستشارين. لقد اعترف مرسي نفسه بأنه أخطأ حين أصدر الإعلان الدستوري الذي منح فيه لنفسه عدداً كبيراً من الصلاحيات. والأخطر من ذلك كله أن الرئيس أخلف وعوده الانتخابية بدون حرج، وتصرف كما لو كان كل ما صرح به خلال الحملة الرئاسية، وخاصة بصدد الالتزام بتنظيم توافق وطني واسع حول الدستور، مجرد كلام بلا قيمة وبلا قوة إلزامية.   الوضع المصري الحالي يطرح بعض الأسئلة الجوهرية من قبيل : هل الفوز في الانتخابات يمنح الحاكم تفويضاً عاما ومطلقاً، ويجيز له أن يفعل ما يشاء بدعوى أنه منتخب؟ لماذا يظهر الإسلاميون، حتى الآن، عجزاً عن تقدير متطلبات المراحل الانتقالية أو رفضاً لتلك المتطلبات، ويعتبرون، ربما، أن الانضباط إليها والالتزام بها يمثل نوعاً من الاستسلام لخصومهم؟   ما عرفته مصر يوم 30 يونيو 2013 هو، حسب بعض وسائل الإعلام العالمية المحترمة، ثورة ثانية، فاق عدد المتظاهرين المعارضين لمرسي فيها حجم المتظاهرين الذي شهدته الثورة ضد مبارك. طبعاً، وقعت بعض أعمال العنف المحدودة، لكن مثل هذه الأعمال مرفوضة مبدئياً، وهكذا فلا جدال في أن إحراق مقرات الإخوان هو صنيع يستحق الإدانة.   منذ انطلاق التحضيرات لهذا اليوم المشهود، تحصن الإخوان ورئيسهم وحزبهم خلق شعار قائل بأن ما يجري هو، بكل بساطة، مجرد انقلاب على الشرعية ومس بالديمقراطية ورفض لنتائجها؛ وبالتالي فالمتظاهرون يناهضون الشرعية والمُتَظَاهَرِ ضدهم يمثلون الشرعية، ومرسي، الذي صوت عليه الشعب، يجب أن ينهي ولايته كاملة، ومن يفكر في رئيس جديد عليه انتظار موعد الانتخابات المقبلة وتقديم المرشح الذي يعتبره أنسب، فالديمقراطية هي احتكام إلى صناديق الاقتراع وليست احتكاماً إلى الشارع، والصراع يكون داخل المؤسسات ويُحسم داخل المؤسسات.   هذا « التصور » هو، ربما، جزء من التفكير الأصولي الذي يعتبر أن الديمقراطية هي فقط صناديق الاقتراع، من جهة، وهو تنكر لما تتطلبه المراحل الانتقالية من تنازلات متبادلة وتوافق مع « الأقليات » على قواعد اللعب، قبل عرض ثمار التوافق على الاستفتاء، من جهة ثانية. الإسلاميون يعتبرون، حسب عدد من الحالات الماثلة أمامناً، أن التنازل للأقلية هو تنازل عن الديمقراطية، بيد أن الأقلية قد تصبح غداً أغلبية، ويجب أن تطمئن إلى أن قواعد اللعب التي تم إقرارها لا تلحق بها غبنا ولا تفوت عليها فرص الانتقال المستحق، غداً، إلى أغلبية. الدستور المصري، مثلاً، رفضته أغلب القوى السياسية حتى وإن لم تستطع إسقاطه عبر صناديق الاقتراع، ولذلك فهو دستور غالب على مغلوب، وليس تلك الوثيقة التعاقدية التي تلتئم حولها إرادات مختلف القوى المتجهة جميعاً إلى إنجاح الانتقال. يجب أن تشعر هذه القوى، حسب فلسفة الانتقال، بأن الدستور يكفل الحماية الكافية لمصالحها ويجعل اللعبة مفتوحة ويتعالى على الإيديولوجيات والبرامج الخاصة بكل فريق سياسي. إلا أن الإسلاميين يعتبرون أن فرصة وجودهم اليوم في مواقع الحكم يجب أن توفر لهم من المكاسب والمغانم ما يسمح لهم بتسييد رأيهم وتفوقهم إلى الأبد.   إن الديمقراطية هي صناديق الاقتراع طبعاً، ولكنها أيضا هي الحقوق والحريات الأساسية، وفي طليعتها حرية الرأي والمعتقد والتعبير والتظاهر. نصوص القانون لا تحدد مسبقاً الموضوعات التي يجب أن تتناولها مطالب المتظاهرين، ولذلك فالنضال عبر الشارع مشروع تماماً، مثل النضال عبر المؤسسات المنتخبة، والأصل أنهما ليسا متناقضين أو متعارضين. يمكن للمتظاهرين أن يطالبوا أي مسؤول منتخب أو حاكم منتخب بالرحيل، وإذا لم يُسلِّم بحق الناس في المطالبة برحيله فهو ليس ديمقراطياً، وليس في هذه المطالبة أي انقلاب على الشرعية، لأن المتظاهرين المصريين، مثلاً، لم يطالبوا بمنح السلطة لمن يختاره الشارع، بل يطالبون بانتخابات سابقة لأوانها قد تعيد حزب الحرية والعدالة نفسه إلى سدة الرئاسة، فهم لم يرفضوا حكم صناديق الاقتراع، بل ينادون بالرجوع إلى تلك الصناديق، وهم لم يطالبوا بمنع الحزب من تقديم مرشحه. لو أن المتظاهرين طالبوا بالانتقال إلى حكم عسكري بدل الحكم المدني، أو بإحلال شخص غير منتخب بدل شخص منتخب، أو بتعطيل العمل بالآلية الانتخابية أو تعليقها إلى أجل غير مسمى، أو تعويضها بآلية أخرى، لكنا أمام طلب على الاستبداد.   أما تغيير الحكام المنتخبين قبل انتهاء مدة ولايتهم فهو فرضية مقبولة دستورياً وجائزة ديمقراطياً، ولهذا، بالضبط، حددت الدساتير، مثلاً، مساطر إسقاط الحكومات بواسطة ملتمسات سحب الثقة.   الناخبون الذين صوتوا على شخص أو فريق ليسوا ملزمين، دائماً، بانتظار الموعد الانتخابي لتغييره؛ فالتصويت عقد يمنح الناس ثقتهم، بمقتضاه، إلى حاكم مقابل الوفاء بالتزاماته كما جاءت في برنامجه الانتخابي؛ وإذا أخل بهذه الالتزامات وتنكر لوعوده وأظهر ضعفاً في الأداء وضيقاً في الأفق وتشنجاً في السلوك وسار في الاتجاه المعاكس لتطلعات من صوتوا عليه، أصبح من حق هؤلاء مطالبته بالرحيل.   الرئيس المصري فاز بفارق ضئيل على خصمه، ولم يتأت له الفوز إلا بفضل دعم ناخبين من خارج عشيرته السياسية؛ وقوة التمرد عليه، اليوم، تنبع من انخراط جزء كبير من الذين صوتوا عليه في حركة المطالبة باستقالته. الرئيس المنتخب لم يحترم تعاقده مع عموم المصوتين عليه، واعتبر أن التزامه الوحيد هو إزاء جماعته. لا يمكن أن يظل أي شعب من الشعوب صوت على حاكمه سجين ذلك التصويت، رغم حصول تحولات جوهرية تفرض العودة إلى صناديق الاقتراع. وخروج ملايين السكان إلى الشارع لإعلان حكمهم بإفلاس رئيس منتخب، سياسياً، يعني أن هناك أزمة سياسية حقيقية لا يمكن لهذا الرئيس أن يتهرب من مواجهتها بدعوى أنه رئيس منتخب وأن خصومه « فلول » و »بلطجية » يقترفون خطيئة الانقلاب على الشرعية وتنفيذ مؤامرة خارجية. إن العالم كله يتتبع ويراقب ويحكم على الأشياء.   طبعاً، عنصر الزمن له اعتباره، في مثل هذه الحالة، ولهذا فإن الدساتير تنص، في العادة، أنه بعد حصول انتخابات سابقة لآوانها، لا تجري أية انتخابات مبكرة أخرى إلا بعد مضي مدة من الزمن.   العقل الأصولي اليوم يفتي، ضمنياً، بتحريم الانتخابات السابقة لأوانها، بينما عرف العقد الأخير، تنظيم هذا النوع من الانتخابات في دول متعددة (اليونان، البرتغال، إسبانيا، بولونيا، بلجيكا، إيطاليا، كندا،.إلخ).   ليس من السهل، في أي بلد من البلدان، أن يتجند الملايين من الناس حول فكرة معينة وينزلوا إلى الشارع دفاعاً عنها؛ وعندما يفعلون ذلك، فإنهم لا يمارسون، فقط، حقهم في التظاهر، بل إنهم يثبتون، أيضاً، قوة الفكرة وجدارتها بالتطبيق. فما الذي يضير الإخوان المسلمين وحزب الحرية والعدالة في أن تجري انتخابات سابقة لآوانها إذا كانت لهم ثقة في أنفسهم وفي شعبية حركتهم وحزبهم؟

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة