للصبر حدود

للصبر حدود

  • مـــــريــــة   مــــكريـــم
  • كتب يوم الخميس 29 أغسطس 2013 م على الساعة 0:42

تمرّ تونس بأزمة سياسية حادّة تنبئ بحالة من الإحباط العام بعد انسداد الأفق، وخاصّة بعد تعثّر الحوار بين الفرقاء السياسيين، وتباين وجهات النظر حول تصحيح المسار المتبقى من مرحلة «الانتقال الديمقراطى». ورغم وعى حزب النهضة بأنّ الثالوث المكوّن للتروكيا «التجربة الرائدة» فى الحكم قد تفكّك بعد أن تبنّى حزب التكتل وحزب المؤتمر مطلب تغيير الحكومة القائمة فإنّ قيادات حزب النهضة ارتأت التعنّت وأصرّت على المناورة ربحا للوقت. وتستمر هذه المناورات بين النهضة والجبهة المكوّنة للمعارضة والمطالبة بتغييرات تتراوح بين إسقاط الحكومة وحلّ المجلس التأسيسى فى ظلّ مناخ متأزّم اقتصاديا واجتماعيا وأمنيّا. وقد حاول الاتحاد العامّ التونسى للشغل أن يضطلع بدور الوسيط والضاغط حتى تنفرج الأزمة ولكن انتهى به الأمر اليوم، إلى إصدار بيان مساندة لتحرّك «الشعب» فى اعتصام الرحيل أمام المجلس التأسيسى بباردو. تقودنا هذه الأوضاع إلى الوقوف عند مجموعة من الملاحظات نجمعها فى الآتى: ما أعسر على الأطراف التى ذاقت حلاوة السلطة ومتعة الحكم أن تتخلّى عن حلمها فى أن تكون المسيّرة والقائدة لمسار أقنعت نفسها بأنّها صانعته، وأنّها صاحبة الكلمة الأخيرة فى نحت ملامحه بلا منازع. ولعلّ تمسّك حزب النهضة بسردية خطّ تفاصيلها وأوهم نفسه والآخرين بأنّها السردية البديلة عن السرديات الكبرى جعلته يرفض الاعتراف بأنّ تدبير الشأن السياسى لا يدار بالاتكاء على النسق السردى بل ببلورة رؤية واضحة واختيار آليات تحقّق المطلوب فى مثل هذا السياق السياسى والاجتماعى والثقافى والاقتصادى المخصوص. تبيّن أنّ دوائر الخوف من فقدان الحكم، والهيمنة على مفاصل الدولة، ووضع اليد على أهمّ المؤسسات أضحت تُحكم سيطرتها على نفوس «الحكّام الجدد» تماما مثلما باتت سطوة الذاكرة المشحونة بالألم تشتدّ، ولذلك صارت العمليّة السياسيّة تخضع لهذين العاملين. فبين أفق «الماضى وجراحه» والتخوّف من مصير يعود فيه الإسلاميون إلى «الهامش» اختلطت الأوراق وتمّ الركون إلى الدهاء السياسى والاستنجاد بالمكر والمناورة والمراوغة وغيرها من الأساليب علّها تضعف الخصم وتحدّ من مقاومته. ●●● لاشكّ أنّ ما حدث فى مصر من تحوّلات أثّر بدرجة كبيرة فى المشهد السياسى التونسى فأسطورة نظام الإخوان تبدّدت، والصورة التى نسجتها الأحزاب الإسلامية عن نفسها باتت ملامحها باهتة بعد أن خسرت هذه الجماعات مصداقيتها وفوّتت عليها فرصة استغلال السياق التاريخى لصالحها فإذا بها تثبت عجزا عن إدارة الشأن السياسى بأدوات وبمنطق ينهل من مرتكزات الفعل السياسى والنشاط السياسى. وعندما تدير القيادات الشأن السياسى بالمنطق الدعوى وبالاتكاء على المبررات الدينية وتصرّ على «استحمار» الناس بدعوى أنّهم «عوام» لا يفقهون شيئا ويحتاجون إلى من يقرّر نيابة عنهم، تنتفض الجماهير إذ «للصبر حدود» «وما كلّ مرة تسلم الجرّة». الجماهير تنتظر تحقيق الوعود، والإنجازات وما عادت تحلم بالعيش الكريم، وبالحرية والأمن… بل باتت «تريد» الحصول على استحقاقات الثورة «الآن الآن وليس غدا». أمّا نسج الخطابات «المطمئنة» وغير المقنعة، وتقديم الصبر مسكّنا للأوجاع فماعاد يؤتى أكله. الأزمة السياسية عرّت مدى التزام التونسيين حكّاما ومعارضة ومكونات المجتمع المدنى بالمصلحة الوطنية. فهل يتوفر لديهم الحسّ الوطنى بالقدر الكافي؟ وما هو مدى استعدادهم للتخلى عن حساباتهم الضيقة ومصالحهم. وإلى أى حد هم قادرون على الحدّ من طموح يجعل ذواتهم تتضخّم؟ التجربة أثبتت أنّ شعار «لا ولاء إلاّ للوطن» غير متفق حوله فهناك من يرى ولاءه للجماعة، وهناك من يعتبر أنّ الولاء لله، وهناك من يؤمن بأنّ الولاء «للمرشد» ولولاية الفقيه السنّى… قلّة من يعتبرون أنّ الولاء لتونس فحسب.

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة