صفقة الكيماوي: الخروج من سيناريوهات الرعب

صفقة الكيماوي: الخروج من سيناريوهات الرعب

  • مـــــريــــة   مــــكريـــم
  • كتب يوم الثلاثاء 10 سبتمبر 2013 م على الساعة 14:04

نعم لن نخوض حرباً من أجل أحد، هكذا تحدث لافروف، فخياراتنا دبلوماسية، والانتصارات الدبلوماسية أقوى وأمضى بكثير من انتصارات وخيارات الحرب التي تعتبر، بأحد وجوهها هزائم، وفشلاً دبلوماسياً كبيراً. لا للحروب، ولن نحارب، هذه هي رسائل الروس السلمية للعالم، بينما كان اليانكي والكاوبوي الأمريكي يتراقص “ثملاً” على قرع طبول الحرب.   حبس الجميع أنفاسهم، واستعدوا للأسوأ فيما بدا احتمال مواجهة قادمة و”لا ريب فيها”. كان لا بد من وقف هذا التدهور، ووضع حد لهذا الكابوس الرهيب الذي لا يمكن التنبؤ بمآلاته وتداعياته الكارثية، وبعد أن عاش العالم على مدار أسبوعين متوالين تحت وطأة رعب حقيقي من احتمال اندلاع حرب كونية شاملة لا يعرف أحد إلى أين ستتدحرج، مع وجود تلك الترسانات الهائلة من الأسلحة التقليدية وغير التقليدية وغابات الصواريخ التي يعج بها الإقليم، بكل تداخلاته، وتشابكاته الدولية والأممية. وقد وُضعت سيناريوهات وتصورات رعب حقيقية لما قد يحدث بعد أن يقوم أوباما بإعطاء الإيعاز لإطلاق أول صاروخ توماهوك باتجاه سوريا. (توماهوك هو الفأس باللغة الهندية القديمة).   ومن هنا، لم تكن زيارة الوزير وليد المعلم لموسكو، زيارة عادية، ولا يمكن أن توضع في سياق عادي، وبروتوكولي، البتة، في ظل هذه الأجواء الملتهبة والمعقــّدة والمتوترة المكفهرّة، والمسدودة، التي تسبق، عادة، نشوب المواجهات الكونية المدمــّرة. وقد تم التمهيد لها باعتبارها –الزيارة- فاصلاً في الحدث والأزمة السورية، وقد رصدتها تقارير صحافية وإعلامية متعددة من هذا الجانب وربطتها جهات عدة بصفقة محتملة.   كان السيناريو مكتوباً بدقة، ومعدّا له على نحو جيد، و”إخراجه” مقبولاً، وتوزع مسرحه وفصوله، ترتيباً، بين لندن، وموسكو، وواشنطن، ولم يأت مصادفة ووليد لحظته وابن الزيارة، وتبلور جيداً، على ما يـُعتقد في قمة العشرين برغم تلك الإيحاءات المغايرة لذلك، ما يفصح عن حدوث مقايضات ومفاوضات ماراثونية ومضنية قبل التوصل للإعلان عنه. انطلقت صافرة البداية والمبادرة، أولاً، من كيري، ومن لندن، في مؤتمر صحفي مع نظيره البريطاني هيغ، حين طلب وضع الأسلحة الكيماوية السورية تحت إشراف دولي، فتلقفت موسكو الرسالة على عجل، وحولتها للوزير المعلم، الذي كان ينتظرها، كما يبدو، وأعرب لذلك عن استعداد سوريا لقبول المبادرة الروسية، لتبريد الأجواء المحتقنة، ونزع فتيل مواجهة شاملة ومحتملة. ولا يخفى على متابع، أن القرار السوري، وبرغم استقلاليته المطلقة، جاء بالتنسيق الكامل مع حلفاء سوريا، وأصدقائها، الذين وقفوا معها، وساندوها، في أزمتها، وتصديها للحرب الكونية عليها التي أُلــْبست لبوس “الربيع العربي” الزائف، و”الثورة السورية” التي أريد لها أن تكون مخلب القط الأطلسي-الأردوغاني-الخليجي للداخل السوري. ولإكمال حلقات السيناريو، الملزمة، و”القفلات” الضرورية، والخاتمة السعيدة، أعلن الرئيس باراك أوباما، من واشنطن، لاحقاً، عن ترحيبه بالاقتراح الروسي “الإيجابي”.   إذن هي الصفقة، وقد تكون، من هذا المنظور، بداية الحل، والخروج من النفق وحالة الاستعصاء، كما هو واضح، وبعنوانها العريض، من خلال وضع الترسانة الكيماوية السورية تحت الإشراف والرقابة الدولية عبر “الصديق والحليف الروسي”، الموثوق، وبكل ما في ذلك من “تطمين” لأمن إسرائيل الذي عبــّر عنه و”اجتره” كيري كثيراً مؤخراً، وهذا ما يكشف، بالتالي، عمـّن كان المستفيد الحقيقي من قرع طبول الكيماوي في الآونة الأخيرة.   سورياً، إن التوقيع على معاهدة حظر انتشار أسلحة الدمار الشامل ليس انتقاصاً من سيادتها، ولا نيلاً من استقلاليتها، ويمكن وضع مجمل هذا التطور، ومفاعيله، ضمن هذا الإطار القانوني الدولي، قامت، وتقوم به معظم دول العالم الموقــّعة على تلك المعاهدة، ولا يمكن تشبيه الأمر بأي سيناريو آخر جرى في المنطقة، سابقاً، وسيظهر سوريا كدولة ملتزمة بالقانون الدولي والحريصة على السلم والأمن الدوليين.   هو، إذن، بالقراءة الشاملة، اختراق دبلوماسي روسي كبير، استطاع نزع فتيل مواجهة وشيكة وتجنيب المنطقة ما لا يمكن تصوره، أو يحمد عقباه. وها قد عرفنا، الآن، “الثمن” الذي قبل السوريون دفعه، لكن ما هو المقابل في الطرف الآخر، وما هي العناوين الفرعية، والتفصيلات الأخرى، والأثمان، و”الأكباش” التي سيـُضحى بها، وهو الشق الآخر الذي بقي غامضاً حتى اللحظة من الصفقة، وغير المهم على ما يبدو بالنسبة للأمريكان، ولا يأبهون له كثيراً، وخاصة ما سيتعلق منه بمستقبل المسلحين، وما سيطرأ من تحولات و”تكويعات” وتغييرات جذرية على ضفة “الثورة” ومصير “الثوّار”، والتي ستبدو، كتحصيل حاصل، والحال، وهو ما يتوقع أن تظهره الأيام، والأسابيع القليلة القادمة.

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة