خليفة الهمة بالرحامنة يكتب:حزب العدالة والتنمية يناقض القرارات الملكية!! | فبراير.كوم | موقع مغربي إخباري شامل يتجدد على مدار الساعة

خليفة الهمة بالرحامنة يكتب:حزب العدالة والتنمية يناقض القرارات الملكية!!

  • مـــــريــــة   مــــكريـــم
  • كتب يوم الإثنين 09 سبتمبر 2013 م على الساعة 16:40

تعيش الشعوب العربية خلال فصل الصيف لهذه السنة حالة استثنائية بكل المقاييس على إثر انتفاضة الشعب المصري يوم 30 يونيو الفارط و ما ترتب عنها يوم الثالث من يوليوز الذي تلاه. وقد هزت تلك الحركة الشعبية بذلك البلد الشقيق و إزاحة الرئيس مرسي العياط مشاعر الناس في كل مكان بين منذهل و مغتبط و مستغرب ومستنكر. و لا أفشي القارئ سرا إذا قلت أنني لم أكن في الفترة الأخيرة أعير الحوادث المصرية قبل هذه الانتفاضة كبير اهتمام، لاهتمامي و معايشتي لما يجري في بلدي المغرب. لكن حدث لي ما لم يكن بالحسبان، إذ التقيت و أنا راجع من الرباط إلى مراكش في القطار(لعله في الخامس عشر من يونيو) بسائحة مصرية في رفقة أسرتها، أخبرتني خلال حديث من نوع الأحاديث التي اعتدنا الخوض فيها في القطار.    أخبرتني تلك السيدة أنها قاضية في بلدها و أنها تستنكر ما آل إليه حال الشعب المصري و الدولة المصرية تحت حكم جماعة الإخوان المسلمين و حلفائهم من السلفيين و التكفيريين. فقد أحدثت انقطاعات الكهرباء وندرة البنزين وبعض المواد الغذائية الأساسية هولا في الأوساط الشعبية و تفاقم عجز الميزان التجاري و ميزان الأدائات وارتفاع المديونية الخارجية للدولة و هبوط سعر الجنيه المصري قلقا في الأوساط السياسية و الاقتصادية، لأن الحكومات المصرية المتتالية، منذ الثورة المصرية سنة 1952 و مهما بلغ تعسف هذه الحكومات و استبدادها و هزائمها، لم تغفل عن ضرورة توفير الحاجيات الأساسية لكل المواطنين و بأسعار مقبولة. و أضافت السائحة: و نظرا لثبوت عجز الرئيس المنتخب بشكل ديمقراطي من طرف الشعب، فإن الشعب سينزل عن بكرة أبيه إلى الشارع يوم 30 يونيو لانتزاع المشروعية عن الرئيس والحكومة.    سمعت هذا الكلام بكبير اهتمام فأيقظ في خاطري هموما و حسرة لأن ما نزل بالشعب المصري، لا يختلف كثيرا عما نزل بساحتنا منذ الخامس و العشرين من نونبر 2011 و لازلنا نعاني منه و نحاول بوسائلنا المتواضعة و المشروعة التصدي له و إطلاع الرأي العام ببلدنا عن خطورته.    تسارعت الأحداث بالمشرق و المغرب. فالاغتيالات بتونس طالت زعيمين من قادة التيار الحداثي الديمقراطي الذين واجهوا نظام بنعلي بصبر و استماتة من اجل الديمقراطية حتى تغلبوا عليه بالتظاهر السلمي، لكن ثورتهم سرقت منهم بقدرة قادر فتجلى التطرف الديني في أبشع صوره في بلد بورقيبة و صار حزب النهضة هو الآمر الناهي وأطلق اليد لحلفائه من المتسلفة حتى أن عناصر إرهابية اعتدت على فيلق من الجيش التونسي المرابط على الحدود الجزائرية فذبحوهم بدون سبب،    فقام الشعب التونسي و لم يقعد بعد، و سيحصل قريبا على إقالة هذه الحكومة التي ظهر فشلها و عجزها على القيام بواجبها تعويضها بحكومة تقنقراطية تسير شؤون البلاد، لأن فرنسا لن تترك حزب النهضة يفعل في هذا القطر ما يشاء.   وأصدر الرئيس مرسي بمصر في نونبر 2012 ما يسمى بالإعلان الدستوري الذي أقال بمقتضاه النائب العام و أمر بمحاكمة أناس صدرت في حقهم أحكام قضائية نهائية و حصّن سلطته الرئاسية بعدم المسائلة الشيء الذي اعتبره رجال القضاء و حقوقيون غير قانوني. كما صرحت نائبة رئيس المحكمة الدستورية العليا أن هذه القرارات تخرج الرئيس عن الشرعية الدستورية و القانونية التي أتت به كرئيس للدولة، و بخروجه هذا يهد فاقدا للشرعية كرئيس لمصر و فاقدا لمنصبه. كما أمر الرئيس مرسي من قبل إصدار عفو تام  في حق مجموعة كبيرة من المتطرفين من ضمنهم محمد الظواهري ــ المحكوم عليه بالإعدام ــ  شقيق أيمن الظواهري زعيم القاعدة، و سمح له بتأسيس حزب تكفيري متطرف.    وفي ليبيا  مالت كفة الحكم لصالح طوائف متطرفة ساعدها الفراغ المؤسساتي الموروث عن عهد القدافي البغيض و رفض التحالف الغربي المغامرة بجنوده على أرض ليبيا واكتفوا بالتدخل الجوي المريح. و على إثر استحواذ الثوريين على السلطة خرجت قوافل من السيارات المدرعة تجوب البلاد من أجل هدم الزوايا الصوفية التي كان  لها دور كبير في تحفيظ القرآن للنشأ فحطموها و خربوا أضرحة الأولياء كالإمام زروق و سيدي عبد السلام الأسمر.       ولا يمكنني أن أنسى ما يعيشه الشعب السوري من محن منذ سنتين، فالحرب بالوكالة حطمت قدرات هذا الشعب النبيل و هدمت كثيرا من معالم حضارة الشرق العريق، فأصبحت حالة البلد  تشبه إلى حد بعيد حال إسبانيا بين 1936 و 1939. و ما أحداث اليمن ببعيد منا و أن الأزمة التي عرفها البلد خلال المدة التي انتفض خلالها الشعب اليمني ضد علي صالح دامت أكثر من اللازم فاستغلتها القاعدة لبث خلاياها الظاهرة و النائمة. أليس هذا بلد أسامة بن لادن؟ و قس على هذا ما يجري في بلد البحرين الصغير حيث تعيش طائفة شيعية قديمة كما هو الحال في شرق السعودية و عمان، لكن إيران القريبة من إمارة البحرين الغنية تخضعها لضغط متصاعد، كلما حركت إسرائيل و الدول الغربية الملف النووي الإيراني في الأمم المتحدة.       أمام هذه الأحداث المدلهمة و العاديات المكدرة بدأت تظهر علامات الاستنكار التي تعبر عنها النخب العربية جهارا في بعض المنابر كتابة أو خطابة. كما أن المستثمرين الأجانب في العالم العربي لا يقبلون بوجه من الوجوه العمل في هذه الأجواء المشحونة المنذرة بالزوابع و الملبدة بالغيوم الطوفانية التي تتنافى مع الاطمئنان الضروري لتناول الأعمال. فكانت أول رصاصة تلقاها صدر الإرهاب و التطرف العملية العسكرية الدولية بمالي التي جندت لها فرنسا كثيرا من الوسائل. ثم بعد ذلك مباشرة أقيل أمير قطر من منصبه بدون سابق إنذار و تنحى لفائدة أصغر أبنائه عن حكم البلاد.       أما الحدث المدوي و الفريد من نوعه الذي يستلزم منا وقفة متأنية هو إقالة الرئيس مرسي العياط من طرف الجيش و بمباركة من شرائح عريضة من المجتمع المصري الذي خرج يوم 30 يونيو مطالبا بهذه الإقالة، ثم خرج مرة أخرى بأعداد لا تقل وفرة من أجل تفويض السلطة للجيش كي يعيد الأمن للبلاد و يرغم المتظاهرين على التعبير بأسلوب سلمي و حضاري أو تحمل تبعات أعمالهم المغرضة.   وقد تحدث منذ أيام الخبير المصري محمد حسنين هيكل عن 30 يونيو و الإطاحة بالرئيس مرسي التي ترتبت عنه فقال بأن هذه الإقالة كانت في سباق مع الوقت حيث أن مرسي كان مقبل في اليوم الذي أقيل فيه على إدخال تعديلات جذرية على قطاع الإعلام و إعادة تنظيم القضاء و الشرطة بشكل يمكنه من بسط يد الدولة الملتحية على هذه القطاعات الإستراتيجية كتوقيف القنوات التلفزية المعارضة و القيام بتعيينات تمكنه الرئيس من إحكام القبضة على بعض الوظايف السامية.   فلماذا اهتمامنا نحن المغاربة بمصر ومتابعتنا للأحداث التي يعيشها هذا البلد؟ لأن مصر تشغل مكانة متميزة في قلب العالم الإسلامي، نظرا لعدة أسباب أولها موقعها الجغرافي الوسطي بين جناحي العالم الإسلامي وأهميتها من الناحية السكانية، فتتجلّى هذه الأهمية في التأثير المباشر لما يحدث بها على دول الشرق الأوسط و شمال إفريقيا. و كدليل على دعواي أذكر أحداث ثلاث دون الدخول في تفاصيلها و الحيثيات.       أولها قيام الدولة الفاطمية التي قسمت العالم الإسلامي إلى شطرين لما أمر المعز لدين الله ببناء القاهرة و انتقاله إليها. و رب قائل يقول أن الدولة الفاطمية سابقة للمعز فأجيبه أن عبيد الله المهدي الذي ظهر أمره عندنا بسجلماسة بقي نكرة و دولته حدثا هامشيا حتى لما استقر ورثته بمهدية تونس و جعلوها عاصمة لهم. لكن لما أصبحت القاهرة قاعدة ملكهم عرف تاريخ العالم الإسلامي توجها جديدا و كادت الإيديولوجية الشيعية أن تكتسح العالم الإسلامي لأن الفاطميين استطاعوا أن يستولوا على أفكار الناس بتعظيمهم لآل بيت رسول الله، و هذا أمر لم تنجح في تحقيقه الدولة الصفوية فيما بعد حتى بعد أن استولت ثورة الخميني على أموال البترول الإيراني.    أما الحدث الثاني فهو استيلاء العثمانيين على مصر في القرن السادس عشر الذي فتح لهم طريق الحجاز و جزيرة العرب شرقا و شمال إفريقيا غربا حتى صارت الدولة العلية أعظم مماليك الدنيا و لم يخرج عن طاعة سلطانها إلا المغرب الذي تميز دائما باستثنائه. و هنا أريد الإشارة إلى حديث تلفازي أذيع هذه الأيام للشيخ علي جمعة مفتي مصر السابق مفاده أن الدولة السعدية منعت العثمانيين من المرور إلى الأندلس لإرجاعها لدار الإسلام. فدولة الأشراف في اعتقاده تتحمل هذه المسؤولية الجسيمة. و ما دام الشيخ الوقور لم يقدم لنا دلائل عن ادعائه فإنني أرد عليه قوله و أقول  أن العثمانيين هم المسئولون عن سقوط مملكة غرناطة لأن العالم المسيحي لم يرض باستيلاء الأتراك المسلمين على القسطنطينية سنة 1453 ، فعملت البابوية على تهدئة روع النصارى بعملية انتقامية من نفس الحجم، فكان احتلال غرناطة، آخر إمارة مسلمة بالأندلس سنة 1492.   أما الحدث الثالث فهو إعلان الجمهورية سنة 1952 و ما ترتب عن ذلك من تحالف بين عبد الناصر و الاتحاد السوفياتي و انتشار الفكر الاشتراكي و القومي عبر أقطار العالم العربي. و خاض الجيش المصري حروبا عبثية باليمن كما حققت مصر اتحادا مع سوريا كخطوة أولى نحو الوحدة العربية. و رغم أن المشروع الناصري أظهر كثيرا من التجاسر على العالم الغربي، فإن حضوض نجاحه لم تكن مستحيلة بل ظهر له أتباع في كل مكان و من لم يستطع الاستجابة للمشروع الوحدوي الاشتراكي تلذذ بالخطب الناصرية التي كانت تنقلها إذاعة صوت العرب. لكن المشروع الناصري سيعرف منتهاه بهزيمة مصر سنة 1967 و لازلنا إلى اليوم في بعض أقطار العالم العربي نقاسي من تبعات انتشار الفكر الناصري التي تتمثل في  تنفيذ مخطط مضاد له أواسط السبعينات من القرن الماضي معتمدا على الفكر السلفي، الغاية منه  القضاء على المد الاشتراكي في الوطن العربي. فكان نصيبنا منه نحن المغاربة انتشار دور القرآن التي تعلم الشباب كثيرا من الأمور ألا تحفيظ القرآن، رغم أننا لم نكن في حاجة لهذه الدور، لأن لدينا كتاتيب قرآنية بالآلاف في مدن المغرب و قراه و نتوفّر على تعليم ديني عتيق و متأصل لا يحتاج إلى دليل على كفاءة المشرفين عنه ومتانة المقررات الموجهة للطلبة.    وهذه الفكرة الجهنمية التي قضت باستعمال السلفية لمواجهة الفكر التقدمي و الحداثي من جهة و تبديع التربية الصوفية من جهة أخرى أتتنا من مصر لأن مبدعها هو المقاول المشهور عثمان أحمد عثمان صاحب شركة المقاولين العرب (التي أحرق الإخوان المسلمون مقرها بالقاهرة  على إثر فض اعتصام مسجد رابعة العدوية ). فهو الذي نصح الرئيس السادات بإخراج زعماء الإخوان المسلمين من السجن بعد انتصاره في حرب أكتوبر 1973 و شروعه في تنفيذ ما يسمى بسياسة الانفتاح الاقتصادي و إضعاف التيار الناصري، فتذكر السادات أن الإخوان سبق استعمالهم بشكل رهيب من أجل إضعاف حزب الوفد غداة اندلاع الثورة سنة 1952. فوافق السادات على هذه الفكرة،  و أطلق سراح التلمساني و رفاقه و هم في حالة من الضعف، لكنهم أقسموا على الانتقام لحالهم فربطوا علاقات متينة مع  » أبناء عمومتهم » الجماعة الإسلامية التي تبنت العقيدة الوهابية ـ الطحوية و تلتقي مع الفكر السلفي الإخواني في ما يسمى بالقطبية، نسبة للمفكر سيد قطب المشهور بازدواجية الشخصية. فهو عالم كبير و مفسر مقتدر في تفسيره (في ظلال القرآن)، لكنه رجل ديماغوجي سياسي متطرف في كتابه (معالم في الطريق).   فما هو التقييم الذي يمكن للباحث في الأفكار السياسية أن يستنتجه من التجربة السلفية في حكم بعض الدول العربية و الإسلامية؟ فقد سبق أن قلت في مقال سابق أن السلفية السياسية نقل لأفكار ابن تيمية من الحيز النظري إلى التطبيق السياسي.    بشكل مبسط، ما دمنا بصدد الحديث عن العلاقة الشبه طبيعية بين الأفكار المناهضة للديمقراطية و الأنظمة الريعية، أقدم للقارئ  فرضية  المقارنة بين منظومة جماعات الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، التي يستعملها دعاة الفكر السلفي  لبلورة معتقداتهم المتعلقة بتنظيم المجتمع الإسلامي، و مؤسسة محاكم التفتيش التي ابتدعها غلاة الكنيسة الكاثوليكية الإسبانية في عصر النهضة من أجل المحافظة على مجتمع منسجم و الخضوع لتعاليم المسيح، كما تراها الكنيسة.     والعنصر المقارب بين هذين التيارين « الإصلاحيين » الاغتناء السريع لإسبانيا بعد الاكتشافات الكبرى و الاغتناء الذي عرفته الإمارات البترولية العربية. فوقع الاتفاق بين بعض الأمراء و الدعاة على أن يحصل كل فريق على نصيبه من هذه الثروة على شرط أن يَوجّه المجهود الدعوي بعيدا عن بلد الأمراء ويتجنب التعرض لسياساتهم الداخلية و الخارجية، و أرض الله واسعة لمن أراد أن يأمر بالمعروف و ينهى عن المنكر.     ففي الوقت الذي شقت فيه أفكار النهضة الأوروبية طريقها انطلاقا من إيطاليا نحو إمارات غرب أوربا لكي تنجب الحداثة و الديمقراطية النيابية، هيمنت الكنيسة الكاثوليكية المحافظة على البلاط الإسباني إلا أن التحالف هنا بين رجال الدين و رجال الدولة كان على حساب المورسكيين المسلمين أولا ثم ما تبقّى من الطائفة العبرانية التي فضلت الإقامة بشبه الجزيرة الأيبيرية في تحد سافر للكنيسة القوية، في حين أن السواد الأعظم من الجالية اليهودية غادر الأندلس متجها نحو شمال إفريقيا و المغرب على وجه الخصوص كما انتقلت جماعات أخرى إلى تركيا العثمانية و بريطانيا عدوة الإسبان و الأقاليم المتحدة ببلد الفلاندر التي تسمى اليوم بالبلاد المنخفضة أو هولندا إذ كانت مستعمرة إسبانية و تميزت عن باقي البلاد المسيحية بالتسامح الديني. و بقيت إسبانيا بعيدة عن التيارات الفكرية المتنورة و غارقة في ظلمات الجدل العقيم الذي تذكي ناره كلما خبت السفسطة المتسعرة بين الفرايلية (جمع فرايل أي أخ) الفرانسيسكانيون و الإخوان اليسوعيون إلى أن أغرقهم طوفان الثورة الفرنسية سنة 1804.   وهدفي من تقديم هذه الفرضية هو التأمل في المواجهة الحاصلة اليوم بين التيار الديمقراطي في العالم العربي و المناهضون لهذا التوجه. و أعظم دليل على هذه المواجهة هو ما يحدث اليوم بمصر و بالمغرب. فالمصريون أعلنوا ثورتهم يوم 25 يناير 2011 من أجل القضاء على المحسوبية و تأسيس دولة القانون و شاركت كل توجهات الطيف السياسي في هذه الحركة و نجحوا في حصولهم على التغيير و فرحوا بذلك، لكن فرحهم لم يدم طويلا إذ انقض على التجربة الفتية أناس لا يؤمنون بالديمقراطية و لا بالنيابية و لا بالحكم السلمي للأغلبية على الأقلية لأن كل هذا الهراء إنما هو تجليات للعلمانية البغيضة.    ومن يتأمل في تجارب الشعوب خلال القرن العشرين يرى أن البلاشفة اللينينيين على قلتهم استحوذوا على الإمبراطورية الروسية و أن الفاشيين فعلوا نفس الشيء في إيطاليا و أخيرا النازيون الألمان استغلوا كسابقيهم اضطرابات فترت الحرب الأولى و ما تلاها من أزمات اقتصادية، فامتطى  أعداء الحرية صهوة فرس الانتخابات و حصلوا على نتائج مكنتهم من مؤسسات الدولة فسخروها لأغراضهم و كسروا الآلة الديمقراطية.     لكن أعداء الحرية في مصر، لم يستطيعوا خلال تسييرهم لشؤون الدولة أن يتمكنوا من كل آلياتها، فانقلب السحر على الساحر و انتفض كثير ممن شعروا بأن ثورتهم قد سرقت منهم و استعانوا بالجيش من أجل إعادة الأمور إلى نصابها، فأقالوا محمد مرسي الذي لم يكن في اعتقادهم رئيسا منتخبا من الشعب لتمثيل كل الشعب و إنما مندوبا عن مجلس الإرشاد لجماعة الإخوان المسلمين يأتمر بأمر المرشد.          وعن شرعية هذه الإقالة قال شيخ الأزهر أحمد الطيب أنها تدخل في إطار القاعدة الشرعية التي تبيح ارتكاب أخف الضررين. كما أقر الشيخ علي جمعة السابق الذكر أن الإطاحة بالرئيس مرسي ليست انقلابا عسكريا بالمعنى الشرعي، و إنما هي استجابة لقرار الشعب الذي يمتلك وحده السيادة و المشروعية. و قد خرج الشعب يوم 30 يونيو للتعبير عن سخطه، و أن الجيش منفذ لهذه الرغبة و بالتالي فإن الإعلان عن قرار الإقالة حضره من يمكن اعتبارهم في مصر أهل الحل و العقد و هم شيخ الأزهر و بابا الأقباط و رئيس المحكمة الدستورية و شخصيات أخرى ممثلة للأحزاب السياسية كحزب النور السلفي و ممثلين عن المجتمع المدني. و لم يقف الشيخ المفتي عند هذا الحد بل أتى بنازلة لها دلالة عظيمة و هي إقالة الملك سعود بن عبد العزيز في بداية الستينات من القرن الماضي بقرار من مفتي المملكة السعودية و استبداله بأخيه فيصل بن عبد العزيز دون مبرر. فلما بلغ الملك سعود نبأ إقالته، و هو خارج البلد، استسلم للأمر الواقع و لم يقم بأي عمل مناوئ للملك الجديد أو كل ما من شأنه أن يتسبب في فتنة تعصف بالمملكة و تراق فيها الدماء.   لكن غلاة المتسلفين المتشددين لا يقبلون النظر إلى مستقبل مصر بعين الرحمة، بل أعدوا العدة للمواجهة الدموية و أقاموا ثكنات إرهابية بسيناء يفوق عدد عناصرها 7000 رجل أتوا من فغامستان و مالي و ليبيا و سوريا يستعينون بهم عند الضرورة، تربطهم علاقات عضوية بالكتائب المسلّحة من طرف حماس، و التي تخترق الحدود المصرية متى تشاء عبر الأنفاق. فهل يمكننا أن نقرر أن بوليساريو جديد استقر على الحدود المصرية الغزاوية؟ مهما يكن من أمر فإن مستقبل العلاقات بين مصر و غزة لا يبشر بخير.          أما الحالة في مغربنا، فتختلف عن نظيراتها في باقي الأقطار العربية لأسباب يأتي في مقدمتها وجود مؤسسة ملكية قوية تبني مصداقيتها على ما نسميه بثوابت الأمة ذات الأركان الأربعة التي تعتمد النظام الديمقراطي كمنهج وحيد لاختيار أعضاء المجالس المنتخبة. و أن الملك محمد السادس مؤمن بهذه الثوابت و ضامن لها. و أن سلطته و حكمته تسمحان له باقتراح التغييرات الضرورية التي تطالب بها الأمة. و في هذا الإطار يمكن الحديث عن خطاب 9 مارس 2011 الذي قدم فيه الملك مشروع تعديل دستوري متميز و ما ترتب عن ذلك. فكانت انتخابات نونبر من نفس السنة و حصل حزب العدالة و التنمية على أكبر عدد من المقاعد في مجلس النواب. فعرض عليه الملك حسب مقتضيات الفصل 47 من الدستور تكوين حكومة. فكان الأمر كذلك و شاركت أربعة أحزاب و بقيت أربعة في المعارضة.   إلا أن الحزب الأغلبي أبان عن شيء من الزهو و عدم الاكتراث برأي الآخرين، متحالفين و معارضين على حد سواء.  و لعل هذا التصرف يشفع له ضعف التجربة السياسية عند زعماء حزب العدالة و التنمية. لكن التمادي في عدم الاكتراث تسبب له في صراعات هو في غنى عنها، لأن الظرف يقتضي الرزانة و الانكباب عن تفعيل الأوراش الكبرى التي تتشوف لها كل فئات الشعب المغربي. فحدثت الأزمة الحكومية التي لم يستطعالخروج منها إلى اليوم.     لكن هذه الأوراش التي تتداولها كل المحافل و الأوساط لا تجد لها أثر في البرنامج الحكومي الذي تقدم به رئيس الحكومة أمام البرلمان للحصول على تزكيته. فإن المتصفح لهذه الوثيقة يكتشف أنها غير مقيدة بأرقام، بل هي أماني لا أقل و لا أكثر سهر على جمعها موظفون من مختلف الوزارات عن عجل و بطلب من رؤسائهم. في حين أن البرنامج الحكومي يعتمد حسب الأعراف المتواترة على ما تعهدت به الأحزاب خلال الحملة الانتخابية و بالتالي فهي التي حملت المواطنين على اختيار أحزاب دون الأخرى.    والآن بعد مرور سنتين على تشكيل حكومة بنكيران على أي حصيلة يمكننا أن نبني تقييمنا لعملها؟ بكل موضوعية و بكل أسف ليس هناك إنجاز ذو بال يستحق التقييم. و قد أشار الملك بكل وضوح في خطاب العرش و خطاب 20 غشت لهذه الوضعية المقلقة. فما هو رد فعل الحكومة؟ سياسة الهروب إلى الأمام، و بتعبير أوضح نلاحظ منذ بضعة شهور توجها خطيرا لقيادة العدالة و التنمية، لا توافق عليه إطلاقا الأحزاب الأخرى المكونة للإتلاف و بشكل قطعي، و يتجلى هذا التوجه في معاكسة المواقف التي تصدر عن الملك، و هذه بعض الأمثلة.   فخلال الأشهر الأخيرة اتخذ حزب العدالة و التنمية مواقف مناقضة للقرارات الملكية، أولها فتنة مالي التي رفض فيها الحزب أي تدخل عسكري أجنبي ضد الجماعات الإرهابية رغم أنهم استباحوا أراضي دولة جارة و صديقة و هددوا دول غرب إفريقيا بالخراب.    و لما أقدمت وزارة الأوقاف و الشؤون الإسلامية على إغلاق دور القرآن التابعة للسلفي بن عبد الرحمن المغراوي، لعدم التزامها بمقتضيات القانون المنظم للتعليق العتيق، أزبد و أرعد وزير العدل مصطفى الرميد خلال اجتماع مجلس حكومي و انتقد قرار وزارة الأوقاف بشكل و بتعبير لم نسمع له نظير في تقاليد الدول الديمقراطية، و أظهر امتعاضه من عمل وزارة خارجة عن نفوذ رئيس الحكومة…   ثم المعاكسة السافرة لموقف الملك من الإطاحة بمرسي العياط، و لم يلتفت قادة حزب العدالة و التنمية و لم يأخذوا بعين الاعتبار رسالة التهنئة التي بعث بها الملك للرئيس المؤقت لجمهورية مصر. و لما حاول بعض المغرضين تضخيم    حادثة العفو الملكي على السجين الإسباني مغتصب الأطفال، خرجت قيادة الحزب في طليعة الخائضين. وأخيرا تنظيم مظاهرات أمام البرلمان للتنديد بفض اعتصامات الإخوان المسلمين بمصر. فعلى إثر هذه الحادثة خرجت العدالة و التنمية إلى الشارع بقضها و قضيضها، تتقدمها أسرة رئيس الحكومة مستنكرة قرار الدولة المغربية ( و ليس الحكومة على حد تعبيرهم ) بالاعتراف بالرئيس المصري المؤقت. كما أنهم عبروا عن  تضامنهم مع أسر ضحايا المغتصب الإسباني المستفيد من العفو الملكي، و تناسوا أن المسئول الأول عن هذا الخطأ الشنيع هو وزير العدل المشرف المباشر على لجنة العفو. و أمام كل هذه التجاوزات لم يصدر عن رئيس الحكومة أي تصريح يدلي فيه برأيه في هذه النوازل.   فماذا يسعني أن أختم به القول؟ إن ما حدث بعد الرابع من يليوز بمصر خطوة كبيرة نحو غد مشرق تسطع فيه شمس الحرية على الشعب المصري ويمتد دفئها لباقي شعوب المنطقة. و إن القوة الهادئة التي يمثلها المغرب سيكون عونا و دعما للمشروع الديمقراطي العربي الذي سينتصر لا محالة، وقد اتضح للإخوة الأفارقة و العرب على حد سواء أن النموذج المغربي أهل أن يحتدا به، فليذكروه. ألم ينصحهم شاعر الحمراء منذ مدة بقوله:   المغرب الأقصى اذكروه***كلما كانت دموعكم على استعداد   لأن المغرب أبان عبر العصور عن تضامنه اللامشروط مع كل القضايا العربية و الإفريقية و الإسلامية و ساهم ماديا و معنويا  في مآزرتها و بدل النصح الذي لا ينتظر منه جزاء إلا رفعة الأمة وعزتها، و أن المغرب ومصر سيقودان قطار الأنوار العربي الذي سينشر ضيائه رغم أنف ظلمات ديجور التحجر. فموعدهم الصبح، أليس الصبح بقريب.  

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة