الحرية أم إسقاط النظام؟ | فبراير.كوم | موقع مغربي إخباري شامل يتجدد على مدار الساعة

الحرية أم إسقاط النظام؟

  • مـــــريــــة   مــــكريـــم
  • كتب يوم الإثنين 02 سبتمبر 2013 م على الساعة 15:27

لم يطالب الشعـب في بداية الثــورة بإسـقاط النظام بل طــالب بالحــرية، تاركاً الــباب مفــتوحاً أمام اسقاط النظام كواحدة وحسب من المفردات الكثيرة والمتنوعة اللازمة لبلوغها. هكذا، كان اسقاط النظام جزءاً من طريقه المتشعبة والصعبة إلى الحرية ولم يكن هدفاً قائماً بذاته ينتهي بتحقيقه نضاله.   بالمقابل تفنن بعض المعارضة، وخاصة تلك التي انتظمت في صفوف المجلس الوطني السوري، في تركيزها على المطالبة باسقاط النظام، ووجدت صيغة تقول باسقاط رموزه واركانه كافة كهدف وضعته أمام الحراك والشارع. ذلك اقنع كثيرا من المنخرطين فيه بضرورة قبول اسقاط النظام باعتباره هدفا في متناول اليد وقابلا للتحقيق، سيجلب الحرية معه بصورة لا شك فيها ولا لبس، جعلت قبوله هدفاً اعلى للنضال نقطة فاصلة في فرز المواقف. كما واعتبرت مَن قبله ثوريا ومَن رفضه خائنا أو رافضا للثورة، بمن في ذلك من قالوا من امثالنا إن النظام لن يسقط لمجرد أن هناك من يطالب بإسقاطه، وأن سقوطه يتوقف على انجاز مجموعة متنوعة ومعقدة من المهام كالنجاح في منعه من استعمال الورقة الطائفية لتحويل ثورة الحرية إلى اقتتال مذهبي أو فئوي بين افراد ومجاميع الشعب الواحد.   قال الشعب: الحرية هي الهدف، يمر باسقاط النظام. وفصلت المعارضة بين الشعار والهدف واعتبرت الاول هدفا قائما بذاته، بينما غاب الهدف الاصلي عن خطابها او اعتبر متضمَّناً بالبداهة فيه، او لم يتم الربط بينهما بطريقة صحيحة. هذا الواقع، الذي ساوى لدى المعارضة الحزبية بين اسقاط النظام والحرية، رغم انهما لا يتساويان اطلاقاً، وفصلهما لدى الاصوليين، ترتبت عليه نتيجتان:   امّحت تدريجياً الفروق بين المطالبين باسقاط النظام، رغم اختلاف مواقفهم وآرائهم واهدافهم وطبائع وابنية تنظيماتهم واحزابهم، وصار الاسقاط معيار الثورية الوحيد او ساحة المزايدة والتشدد، وتم القفز التام عن تلك المستلزمات السياسية والعملية، التي تجعل سقوط النظام حتمياً. وصار الاكثر ثورية هو من يتمسك بالشعار اكثر من سواه، وغابت السياسة اكثر فاكثر عن العقل السوري المعارض السائد، الذي اعتقد ان مرحلـة اسقــاط النــظام برموزه واركانه كــافة ليست مركبة ومعقدة، بل هي مرحلة بسيطة تذهب من الوضع القائم الى وضع جديد يقوم نتيجة سقوط النظام وأركانه. فلا حاجة لإعمال الذهن ووضع خطة سياسية للثورة تبين المحطات التي سيمرّ نضالها فيها وستجعل سقوطه محتماً. هذا البؤس السياسي ترتبت عليه نتــائج عملــية ونظــرية شديدة السوء، أقله بالنسبة الى الشعب الثائر، الذي وجد نفسه منجذباً إلى شعار بدا تحقيقه في متناول يده، أراحه حين أفقده القدرة على التمييز بين القوى التي تبنته وخال أنه وحدها في الاتجاه والهدف، وخاصـة بين تلك القــوى الــتي لعبت دوراً متعاظماً في الصراع المسلح ضد النظام، وأيدها لاعتقاده أنها تنفذ خطة عملية لا تتطلب الكثير من الكلام في زمن تحركه الافعال ويساوي اسقاط النظام فيه تحقق الحرية، التي ستأتي بصورة حتمية بعد زواله، او أنها ستتحوّل الى تفصيل صغير ما دام النظام هو الكارثة التي يريد إزاحة صخرتها عن صدره، فإن زالت أمكن تدبير بقية الامور، خاصة أن زوالها هو شرط لازم لتحقيق أي مطلب يتخطاه. هذا الاختلاط كان وراء تحوّل سياسي خطير أنتج فهماً إجمالياً خلا من وعي الواقع الذي تذهب اليه الثورة، وعتم على مسألة فائقة الخطورة هي أن هذه صارت مهددة من قوى تعاظمت قوتها واتسع باضطراد انتشارها، قالت باسقاط النظام كهدف اول وأخير، ورفضت الحرية كمطلب اعلى للشعب. ذلك من دون ان تتوفر امكانية شعبية او ثورية لانتقادها أو التصدي لاطروحاتــها او كـشف ما سيترتب على خطها من مخاطر على وحدة الشعب والدولة، ومن دون أن يفتضح ايضاً دور النظام وسياساته الأمنية في تنــشئة تنظيــماتها، أو تجري تمييزات نظرية وعملية تتصدى للتعارض الخطير النتائج على الثورة بين النضال ضد النظام وبين رفض مبدأ الحرية كهدف للشعب والثورة. هكذا حجبت المآلات التي نجمت عن فــصل الحرية عن اسقاط النظام، الهدف عن الشعار، وترتبت على قلب الشعار إلى هدف حلّ محل هدف الشعب الأصلي، وانطمست الحاجة الى سياسات تنصب على نمط الخطوط التي يجب اعتمادها ونمط العلاقات التي تحب إقامتها في حقل العمل العام المعارض.   فقدت القوى المدنية والحراكية التي اطلقت الثورة مكانتها فيها وتحولت الى قوى هامشية او قليلة الشأن والدور. زاد انفصالها او فصلها اللاحق عن الواقع وعجزها عن التأثير في الأحداث من عزلتها، وقلص ساحة أنشطتها التي تركزت اكثر فاكثر على خلافاتها ومشكلاتها الذاتية، المفتعلة في حالات كثيرة، التي أخذتها ألى سياسات تجاهلت اهمية الرابطة الوطنية وضخمت مكانة الرابطة التنظيمية، حزبية كانت او ايديولوجية. ما رفع تناقضات ثانوية نشأت عن خلافات في الرؤى والمواقف إلى مرتبة تناقضات عدائية ورئيسة، ادى الاشتغال عليها إلى تقليص فعلي لحدة التناقض مع السلطة. وأسهم في تمكين قوى الإسقاط بالقوة من السيطرة على الساحة وثلم قيمة السياسة كأداة فاعلة تستطيع لعب دور رئيس في نمط من اسقاط النظام يكون مرحلة على طريق الشعب والحراك نحو الحرية للشعب السوري الواحد. والذي سيبنى وجوده السياسي على المواطنة، وسينضوي في مجتمع مدني هو حامل الدولة وضامن العدالة والمساواة والكرامة.   هل انقلب السحر على الساحر وانتقمت الحرية لنفسها من الذين غرقوا في اسقاط النظام من دون ان يفكروا بمرحلته ومستلزماته السياسية والعملية، فبدأ الشعار يسقطهم بدلاً من ان يسقط خصمهم كما تنبأت لهم في مقالة نشرتها «السفير» قبل اكثر من عام، بعد هيمنة الشعار على عقل المعارضة السياسية، قلت فيه إنه سيتحول الى سعار سياسي سيسقط بالأحرى الحراك والثورة، وها هي الوقائع تؤكد أنه يلعب دوراً خطيراً في إحداث تحولات ميدانية تبدل حال المعارضة وتهمش قواها الحزبية وتبرز قوى مناوئة لها معادية بجذرية لمبدأ وفكرة الحرية، تعمل من خارج النسق السياسي المعارض الذي تخلق خلال خمسين عاما من حكم البعث.   ما العمل لتصحيح اوضاع الثورة؟ الجواب جلي وبسيط: نستعيد رهانها الأول: الحرية لشعب سوريا الواحد، والمواطنة كأساس تقام عليه الحياة العامة، واسقاط النظام كشعار نحققه على مراحل، نعالج خلالها بنجاح قضايا عملية معقدة، بينها قضية التنظيمات القاعدية التي تسقط اليوم المعارضة وثورة الحرية بدلاً من ان تسقط النظام، وكذلك النضال ضد النظام بدلالة الحرية، والخروج من حقبة حولت شعاراً الى هدف استراتيجي للثورة. وكذلك وضع افكارنا وخططنا وخطواتنا العملية تحت حيثية الحرية للشعب الواحد، واستعادة طابع الحراك المدني والمقاومة السلمية، التي اعتبر المقاومة الوطنية المسلحة جزءا تكوينيا منها، واخيراً لا آخراً اقامة نمط من الادارة يكون دولة بديلة بكل معنى الكلمة تتولى ادارة المناطق الخارجة من قبضة السلطة بالديموقراطية والحكم النزيه والمشاركة الشعبية اليومية، وتؤسس جيشاً وطنياً يحمي الشعب من قطاع الطرق ومدّعي الجهاد. بغير هذا لن تعود الثورة الى اصحابها وتستعيد هويتها كثورة شعبية هدفها الحرية، ولن يتم فرز جديد، ومن أخذ سوريا إلى الحرية، ولا شيء غير الحرية لشعب الثورة الواحد.

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة