قراءة في فنجان الحكومة

قراءة في فنجان الحكومة

  • مـــــريــــة   مــــكريـــم
  • كتب يوم الجمعة 04 أكتوبر 2013 م على الساعة 12:39

لا خبرَ صحيح في البلد، لا ناطق رسمي ينطقُ الحقيقة، ولا حق في الوصول إلى معلومة، ولا هاتفَ يجيبُ ..الأسئلة معلقة، واللغة خشبٌ، والبلاغات الباردة تخنق الأنفاس، ولا خبرَ إلا الضجر..       الخبر الوحيد الموثوق به، هو اعتقال صحفي نقل خبرا، واستمرار العبث السياسي بعد إصابة الحكومة بكسرٍ مباغث في عمودها الفقري..وقد جربوا معها عدة وصفات خرافية، ويكاد نصفُ عام يمر بلا جدوى..  كل أسبوع ، تُكرر الصحفُ الخبر نفسه: هذا الأسبوع أو نهايته، ستتطوع حمامةٌ حرةٌ لترميم الكسْرِ العميق للحكومة، وكل يوم يبشرنا المتفائلون بأن هناك أملا كبيرا في شفائها وجبر كسرها بإعادة تشكيلها سرياليا ببقعة من الأزرق السماوي في جسمها الملون، وكل ساعة نعين وزيرا ونُسْقط آخر..وها هو أسبوع آخر يمر بلا خبر. أمام صدى الصمت الذي يأتي من الأبواب الموصدة والعلب الصوتية للهواتف المغلقة، على الصحفيين أن يترصدوا الأخبار بالكاميرا الخفية، وأن يتحولوا إلى جواسيس يَتَقفون آثار الخطوات للداخلين والمنسحبين من جلسات المفاوضات، ويتلصصون من كوة ضيقة على أشغال الترميم المتعثرة للحكومة الآيلة للسقوط.. أمام العتمة الحالكة على شاشات التواصل السياسي، لا نملك كصحفيين سوى أن نتحول إلى عرافين نتكهن الأخبار بقراءة الطالع والنازل في فنجان الحكومة الفارغ، أو نراهن مثل لاعبي النرد على الأسماء عشوائيا، ونتسلى مع القراء بلعبة الاحتمالات والمعادلات الممكنة والمستحيلة. على الصحفي أن ينسى دروس الصحافة في تحري المعلومات من مصادر الخبر، وأن ينخرط في دورة تكوينية في علم التنجيم، أو يأخذ دروسا إضافية في قراءة الفال، ويخضع لتدريب مكثف في استحضار الأرواح واستنطاق العفاريت المالكة للمعلومة، وأن يعمق خبرته في العِرَافَةِ كي يتنبأ بمستقبل الحكومات بقراءة كف المسؤولين السياسيين الصامتين. بما أن لا مسؤول يمتلك شجاعة كشف الخبر، على الصحفي أن يؤلفه ويحبكه وكأنه كاتب روايات.. مصدره الوحيد للمعلومة هو الإبداع، وتأليف السيناريوهات المحتملة..فلا حدود للخيال في التخمينات الصحفية، لا منطق دستوري يحكم الأحداث الممكنة في بلد الاستثناء، لا حسابات دقيقة تقيد السبق الصحفي، ولا حقائق حتمية، كل شيء ممكن وكل الأخبار التي قد تبدو غريبة أو مستحيلة الوقوع، هي ممكنة جدا في مشهد سياسي يتحالف فيه اليساري مع الإسلامي، والجلاد مع الضحية واللص مع فاضخه.. وفي ديموقراطية فريدة تتشكل فيها الحكومات بجهاز التحكم عن بعد، ويصبغ فيها الوزراء بألوان الطيف في اللحظات الأخيرة .. في انتظار الخبر الذي تأخر حول مآل التعديل الحكومي، سنواصل لعبة الاحتمالات وتوسل السبق الصحفي من الصدف العابرة..وسنواصل ملأ الصفحات بقراءة فنجان الحكومة، والتسلي بتشكيلها انطباعيا، نعين من نشاء بالحقيبة التي نشاء، نرفع العدد أو نقلصه، نضيف للصورة نساء جميلات، نسمي وجوها ونُسقط أخرى، ونكتفي بمتابعة جولات التفاوض افتراضيا، نتصور أجواء المباراة الساخنة، نسترق السمع لصوت الضربات من بعيد، ونتخيل مشهد السقوط المدوي…  من سيعين من؟ ومتى؟ ومن يملك مفاتيح الأزمة؟.. يضيع السؤال الصحفي في متاهات الصمت، ويتبخر الخبر فوق نار التمطيط المتعمد إلى أن يفقد الطعم.

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة