الهجرة إلى المغرب | فبراير.كوم | موقع مغربي إخباري شامل يتجدد على مدار الساعة

الهجرة إلى المغرب

  • مـــــريــــة   مــــكريـــم
  • كتب يوم الجمعة 20 سبتمبر 2013 م على الساعة 11:47

انطلاقاً من قاموس السياسات العمومية،يمكن إعادة تعريف التقرير الموضوعاتي الأخير للمجلس الوطني لحقوق الإنسان حول وضعية المهاجرين و اللاجئين كمرجعية تأسيسية لسياسة جديدة / ممكنة في ميدان الهجرة؛سياسة تنتبه لأول مرة -رسمياً- الى متغير جوهري في علاقة بلادنا بظاهرة الهجرة ؛حيث تحول المغرب من بلدٍ مٌصدر ،فبَلد عٌبور ،ثم الى بلد اقامة و إستقبال مُستهدف بهجرات متنوعة المسَارات.   لذلك ربما يكون في المستقبل ،من حظ هذه السياسة أنها بُصمت بالمدخل الحقوقي،و أن صياغة أدبياتها الأولية قد استلهمت فكرة و مقاربة حقوق الإنسان،و الطابع الإنساني المستند الى القانون الدولي،حيث أن الأدبيات الدولية و الحقوقية و الدستورية ،قد أخدت مكانها كمرجعيات لبناء هذه السياسة ، عوضاً عن الهواجس الأمنية المتضخمة ،أو »فوبيا » خطابات « صناعة الخوف المرضي « من الأجانب .   السرعة التي عقدت بها جلسة العمل الملكية حول المهاجرين و اللاجئين ،على بعد أقل من يومين على بلاغ الديوان الملكي حول الإطلاع على التقرير الموضوعاتي المذكور،و طبيعة الحضور خلال هذه الجلسة ،قياساً مع جلسات عمل ملكية سابقة، يؤشران من جهة أخرى الى الإمكانيات الجديدة التي يتيحها النسق السياسي الجديد ،لهندسة السياسات العمومية،في تفاعل بين المؤسسات الوطنية (أو ما بات يسمى بتعريف دستوري « مَعيب »بهيئات الحكامة)من جهة، و بين المؤسسة الملكية و السلطة التنفيدية من جهة أخرى،بشكل يعزز من دور سُلط الإستشارة و الإقتراح ،و يحفظ الوظيفة التوجيهية للمؤسسة الملكية ،و يترك للحكومة صلاحيات بناء السياسات و تنفيدها بكل وضوح و مسؤولية .   محاور السياسة العمومية في مجال الهجرة،بالنسبة للمجلس الوطني لحقوق الإنسان ،يجب أن تنتظم على الأقل حول أربعة مكونات ،أولها يرتبط بوضعية اللاجئين و طالبي اللجوء ،حيث يقترح المجلس على الحكومة الإعتراف بصفة لاجئ كما تحددها الآليات المؤسسية الدولية،مع العمل على بناء إطار قانوني وطني ينظم اللجوء ،وصياغة سياسة ادماجية للاجئين و أسرهم .ثانيها يهم الأجانب الموجودين في وضعية إدارية غير قانونية ،حيث اقترح التقرير مباشرة السلطة التنفيدية لعملية تسوية إسثتنائية لوضعية بعض الفئات من هؤلاء المهاجرين.ثالثها يتعلق بمكافحة الاتجار في الأشخاص ،حيث دُعيت الحكومة لمقاربة تجمع بين التحسيس و مراجعة التكييفات الجنائية و القانونية،ثم الإستمرار في الجهود الأمنية لمكافحة شبكات التهريب و الاتجار بالبشر.المكون الرابع و الأخير يهم الأجانب في وضعية نظامية ،و يرتبط بمراجعة الإطار القانوني سواء في علاقة بحق هؤلاء في التنظيم الجمعوي ،أو بممارستهم لحق المشاركة الانتخابية في المستويات المحلية.   في هذا السياق ،و داخل كل مكونات هذه السياسة،فإنه لا يمكن بتاتاً إغفال وظيفة المجتمع المدني ، إذ لابد من الإقرار بأن عناصر الترافع الأولية حول هذه القضية،قد انطلقت في بداياتها من داخل جزء من المشهد الحقوقي الوطني ، فضلاً عن الدور الريادي الذي قامت به المنظمة الديمقراطية للشغل (Odt)،كأول نقابة اقتحمت مجال تأطير العمال المهاجرين،رغم أنه من الواضح على عكس مايقع في دول عديدة ؛حيث قضية الهجرة من ملفات التقاطبات المجتمعية والايديولوجية الجديدة،فإن اليسار المغربي عملياً لم يبدي أدنى اهتمام إستباقي بهذا الموضوع.   و هنا فضلاً عن الأبعاد الحقوقية ،الدستورية ،الأمنية،الإنسانية و الإستراتيجية للموضوع،تبرز في العمق إشكاليات ذات طبيعة ثقافية و إجتماعية ،تهم القدرة الجماعية للمجتمع المغربي على إفراز قيم العيش المشترك ،وإدماج الأجانب داخل النسيج الإجتماعي .   كل هذا يجعل المجتمع المغربي ،أمام ورش « الثقافي و الوجداني « يفرض يقظة أخلاقية قصوى لرصد و لمكافحة كل خطابات العنف والكراهية و العنصرية تجاه الأجانب ،و التي وصلت في حالات عديدة الى سلوكات مشينة ،مثل استسهال بعض وسائل الإعلام لتعابير عنصرية واضحة تنطلق من صور نمطية للمهاجر الإفريقي القادم من جنوب الصحراء ،أو إعلانات بعض مُلاك العمارات بالبيضاء حول منع الكراء للأفارقة ،أو تطورت رأساً الى حالات عنف وصل الى جرائم قتل تحوم حولها شبهة الجريمة العنصرية المقيتة.   لذلك فان جزءاً كبيراً من تحديات هذا الملف تظل ذات طبيعة « قيمية « معقدة،و هذا ماتطرحه التوصيات الأكثر نفاذاً لتقرير المجلس الوطني لحقوق الإنسان ،التي ترتبط عملياً بتمرين إعادة بناء « مواطنة متجددة و منفتحة »،وهذا ما يمس بمضمون تمثلات »الأجنبي » في ذهنية المغاربة داخل سياق تدبيرهم للعلاقة مع الآخر .   في كل التاريخ كانت الهجرات إمتحاناً للإنسانية .   ليس صدفة إذن ،أن تبدو الهجرة، هنا و الآن، إختباراً جديداً « للإنسية المغربية » !

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة