ليبيا لا امن ولا نفط

ليبيا لا امن ولا نفط

  • مـــــريــــة   مــــكريـــم
  • كتب يوم الإثنين 16 سبتمبر 2013 م على الساعة 22:57

مجلة “الايكونومست” البريطانية العريقة نشرت في عددها الصادر يوم الجمعة الماضي تقريرا عن تدهور الاوضاع في ليبيا، لفت نظري فيه قولها، ان لافتة في احد مقاهي العاصمة طرابلس ويرددها الرواد كنكتة، تقول “ان الطريق الوحيد الى الجنة هو الذي يؤدي الى المطار”.       هذه النكتة البريئة المعبرة، تلخص الاوضاع السيئة جدا في ليبيا التي حررتها طائرات حلف الناتو الى جانب الثوار الذين ارادوا اطاحة نظام العقيد معمر القذافي الديكتاتوري. القادمون من ليبيا الى لندن، وقد التقيت العديد منهم، يروون روايات لا يصدقها عقل، فالعاصمة بلا ماء او كهرباء منذ اسبوع، والمليشيات المسلحة اصبحت هي صاحبة الكلمة العليا في ظل غياب كامل للحكومة ومؤسساتها الامنية والخدماتية. الفتاة العنود ابنة عبد الله السنوسي (18 عاما)، افرجت عنها قوات الامن بعد ان قضت سبعة اشهر خلف القضبان بتهمة دخول البلاد بطريقة غير شرعية، لتتعرض للخطف من امام بوابة السجن، ويتبين بعد ذلك ان الخاطف هو احد الحراس. قبل عامين سن رجال الاعمال البريطانيين والفرنسيين اسنانهم، وفركوا اياديهم فرحا، وحزموا حقائبهم للطيران الى ليبيا للمساهمة في اعادة بناء البلد والاستفادة من عوائد نفطية تصل الى ستين مليار دولار سنويا. الآن لا يوجد رجل اعمال او مستثمر اجنبي واحد في ليبيا، اما محطات التلفزة العربية والاجنبية، ومن بينها “الجزيرة” و”العربية”، التي كانت تبث التقارير ليل نهار عن المعجزة الليبية والانتصار الكبير للناتو والثوار فلا اثر لها في العاصمة، ومن النادر ان تبث تقريرا مهنيا او موضوعيا عن ما يجري على الارض. النفط كان العامل الاساسي لتدخل الناتو ودوله عسكريا في ليبيا، انتاجه توقف بالكامل منذ اضراب حراس آباره وموانئ تصديره عن العمل احتجاجا على اجورهم المنخفضة ظاهريا، واستجابة لمطالب الحركة الانفصالية التي تطالب بحكم ذاتي لمنطقة “برقة” وعاصمتها بنغازي التي توجد فيها معظم الاحتياطات النفطية الليبية، باطنيا. *** الميليشيات التي استولت على الآبار وموانئ التصدير بدأت في بيع كميات كبيرة منه في السوق السوداء وما زالت تحاول بيع المزيد حتى ان السيد علي زيدان رئيس الوزراء هدد بقصف اي سفينة تقترب من هذه الموانئ لنقل كميات نفطية “غير مشروعة” من الجو والبر. بريطانيا وفرنسا تباهتا، تماما مثل “الحليف الام” امريكا في العراق، بانهما سيجعلان من ليبيا نموذجا في الرخاء والازدهار والاستقرار، بما يشجع دولا عديدة تحكمها ديكتاتوريات على الترحيب بالتدخل العسكري، وها هو هذا النموذج يمثل اسوأ انواع الفوضى الامنية والانهيار السياسي. الاغتيالات للسياسيين والصحافيين باتت خبرا عاديا في “ليبيا اليوم”، حتى ان العقيد يوسف علي العصيفر المكلف بالاشراف على التحقيقات في هذه الاغتيالات وكشف المتورطين فيها، تعرض نفسه للاغتيال يوم 29 آب (اغسطس) الماضي عندما وضع مجهولون قنبلة تحت سيارته مزقت جسده. قبل ايام فقط تعرض مبنى وزارة الخارجية في بتغازي الى انفجار ضخم حوله او معظمه الى كومة من التراب، وقبل عشرين يوما اقتحمت قوات الامن سجناء في طرابلس لفض اضراب عن الطعام لاكثر من 500 نزيل احتجاجا على عدم مثولهم امام النيابة العامة وتوجيه اي تهم لهم بالتالي، وبعضهم يقبع خلف القضبان منذ عامين، وجرى اطلاق الرصاص الحي مما ادى الى اصابة 18 شخصا بعضهم اصابته خطيرة. وزير الداخلية الليبي محمد الشيخ قدم استقالته من منصبه الشهر الماضي احتجاجا على عدم قدرته على ممارسة مهامه، ووجه لوما حادا الى رئيس الوزراء لانه لم يؤسس جيشا قويا يحفظ امن البلاد. البلاد تتفكك على اساس قبلي ومناطقي، والبربر في الجنوب في حال ثورة، والمصالحة الوطنية معدومة، والاحتقان الشعبي في ذروته، خاصة بعد ان قتل 31 شخصا بالرصاص في بنغازي عندما تظاهروا امام مقر ميليشيا درع ليبيا احتجاجا على سطوة الميليشيات وفوضى السلاح، لا ننسى في هذه العجالة الاشارة الى ان معظم الجنوب الليبي خارج سيطرة الحكومة التي اعلنته منطقة محظورة. *** سليمان كجام عضو اللجنة البرلمانية للطاقة قال في تصريحات لوكالة “بلومزبرغ” الاقتصادية العالمية ان الحكومة تعيش الآن على احتياطاتها المالية، بعد ان انخفض انتاج النفط من 1.4 مليون برميل يوميا الى اقل من 160 الف برميل، واذا استمر هذا الحال فانها مع مطلع العام المقبل لن تكون قادرة على دفع مرتبات مواظفيها. النظام السابق، ونقولها للمرة المليون، كان ديكتاتوريا قمعيا فاسدا، ولكن احوال ليبيا اليوم، واستشراء الفساد فيها، وانعدام الامن غير مبررة على الاطلاق ولا يمكن فهمها او قبولها، خاصة انها “تحررت” من قبل اكثر بلدان العالم حضارة ورقيا حسب المعايير الغربية. السيد محمد عبد العزيز وزير خارجية ليبيا فاجأ الجميع اثناء اجتماع وزراء الخارجية العرب لبحث دعم العدوان الامريكي الذي كان متوقعا في ذلك الوقت في اي لحظة، فاجأهم عندما عارض اي تدخل عسكري امريكي في سورية خارج اطار الشرعية الدولية. لا بد ان السيد عبد العزيز والكثير من امثاله من الليبيين بدأ يغير رأيه كليا تجاه التدخل العسكري الخارجي بعد ان شاهد نتائجه واضحة للعيان في بلاده، فهل يتعظ الآخرون. هناك من يقول ان هذه الفوضى مؤقتة، وان الاستقرار قادم، والمسألة مسألة وقت وصبر، ونأمل ان تكون هذه النبوءه صحيحة

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة