القمة والحضيض.. عودة الوعى وغيابه! | فبراير.كوم | موقع مغربي إخباري شامل يتجدد على مدار الساعة

القمة والحضيض.. عودة الوعى وغيابه!

  • مـــــريــــة   مــــكريـــم
  • كتب يوم السبت 02 نوفمبر 2013 م على الساعة 23:08

توفيق الحكيم يجسد (فى رأيى) أزمة النخبة، كان فى الستينيات من القرن العشرين يرأس لجنة القصة بالمجلس الأعلى للفنون والآداب، اشتعل رأسه شيباً، لكن عقله وبريق عينيه أكثر حيوية وتمرداً من الشباب، من أقرب الأدباء إلىّ، مع ذلك اختلفت مع بعض أفكاره، منها روايته «عودة الروح» التى دارت حول المهدى المنتظر أو البطل المنقذ، وعندما أسقط الضباط الأحرار الحكم الملكى، أصبح جمال عبدالناصر هو البطل المنقذ، وأصبح توفيق الحكيم هو الأب الروحى للثورة، كنت أسأله «هل للثورة أب واحد؟ وأين هى الأم؟.. تلمع عيناه بمكر ويقول «جاءت الأم بعد ذلك كما جاءت حواء من ضلع آدم»، وأعترض قائلة: المرأة تلد الرجل وليس العكس يا أستاذ توفيق؟ كلمة «أستاذ توفيق» ترن غير لائقة فى آذان أعضاء اللجنة الموقرة، ويهمس نجيب محفوظ فى أذنى: «توفيق بيه» وأقول «الثورة أسقطت الألقاب ومنها البيه والباشا يا أستاذ نجيب»، وأواصل الحوار مع توفيق الحكيم: الثورة لها آباء كثيرون يا أستاذ توفيق. لم تهتم بكلامى لجنة القصة أو غيرها، وكنت طالبة بكلية الطب ودست صورة الملك، وفرحت بالثورة وعبدالناصر، لكن مغالاة النخبة فى تقديسه كانت مزعجة للكثيرين، منهم أبى كان يقول: النخبة المصرية قادرة على إفساد أى حاكم. رواية «عودة الروح» حظت بإعجاب عبدالناصر، تنبأ فيها توفيق الحكيم بظهور البطل المنتظر، وحظى بمناصب رفيعة. الرقابة على النشر فى مصر تنتبه لأى كلمة تمس الآلهة رؤساء الدولة، وقد حذفت أجزاء متعددة من قصصى ورواياتى فى كل العهود بما فيها عهد عبدالناصر، لم يكن ممكناً لأى مبدع أن يصل للجماهير إلا عبر الأجهزة المملوكة للدولة. كنت أشعر بالغربة داخل لجنة القصة، أغلب أعضائها كتاب بالأهرام، عينوا بقرارات جمهورية (توفيق الحكيم، نجيب محفوظ، ثروت أباظة، يوسف إدريس، لويس عوض وغيرهم) أصبحوا العمالقة العباقرة، وأنا الأصغر سناً (اللامنتمية لأبيهم الكبير)، أتعرض لعملية الإقصاء بالتدريج، حتى حذف اسمى من لجنة القصة لأسباب متراكمة، أولها عدم قدرتى على نطق كلمة «بيه» (كالغصة فى حلقى)، أهون عندى دخول السجن من النطق بها. بعد موت عبدالناصر انقلب توفيق الحكيم ضده، ونشر كتابه «عودة الوعى» تساءل فيه كيف لمفكر على القمة (مثله) أن يغيب عن الوعى عشرين عاماً؟ ومن أجل إرضاء ضميره كتب توفيق الحكيم «بيان المثقفين» عام ١٩٧٢ مسانداً حركة الطلاب ضد الديكتاتورية وقمع الفكر، ووصفه السادات بالعجوز المخرف الذى رفعته الدولة إلى القمة فانحدر للحضيض.

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة