صلاح الوديع يهاجم في رسالة إلى من يهمهم الأمر: بطولاتكم هزلية وخارج السياق وخارج التاريخ | فبراير.كوم | موقع مغربي إخباري شامل يتجدد على مدار الساعة

صلاح الوديع يهاجم في رسالة إلى من يهمهم الأمر: بطولاتكم هزلية وخارج السياق وخارج التاريخ

  • مـــــريــــة   مــــكريـــم
  • كتب يوم الثلاثاء 10 ديسمبر 2013 م على الساعة 9:21

  أنظر بابتسامة صامتة مقتضبة إلى بعض الكتابات التي – رغم كونها لا تخلو من جودة لغوية – تبدو لي كما لو أنها بطولات مجانية. بطولات « تُقترفُ » لذاتها لا لهدف آخر. بطولاتٌ تشبه وثبة متحفزة ثم ركضاً غير متناسب بهدف تحطيم باب مُشرعٍ – كما يقول الفرنسيون.   أنظر بابتسامة لأن زمن البطولة التي كانت تستلزم « تدوير » اللسان في الفم مرات ومرات قبل النطق بالكلمة، زمن مضى وولى مع السنوات القاسية، يوم كانت « الشَّمَّةُ يُؤدَّى عنها بقطع الأنف » على ذكر مقولة جميلة للصديق أحمد الفكاك الذي عرف السجن سنوات طويلة في بداية السبعينات بسبب ذلك، دون مَنٍّ أو ادعاء.   هذه البطولة المتأخرة، تبدو كأنها حجٌّ بعد فوات موسم الحج، تبدو كقدمٍ تأخرت ببضع خطوات عن الزمن. لا تستطيع اللحاق به فتسير في خطاهُ مكررة في كل خطوة نفس التخلف عن الخطوة السابقة… دون أمل في ردم الحيز الزمني المتلاشي للتو. أو كأن صاحبها يلبس الدِّرع ويمتشق السيف ويعطي لجواده إشارة الانطلاق، ثم يرفع عينيه لينظر حواليه هل من مُصارع، مستغربا كيف لا يهاجمه أحد ولا « يمثُل بين يديه » لعله يثبت جدارة فارسنا المتجمد في انطلاقته الوهمية، مثل ما يفعل أبطال الرسوم المتحركة.   كتاباتٌ كان سيكون لها شأن آخر لو كتبت لعصرها وضرورتها، أيام « الشمة » الصعبة.   غير أن ما يثير الأسف في بعضها أمران. أولهما الفكرة الثاوية وراء الكتابات إياها والتي تترك الانطباع بأننا كمغاربة نوجد في درك أسفل (حتى لا أقول سافل) لم نحقق شيئا ذا بال ولا زلنا عرضة لكل قدم تسحقنا ولكل قبضة تخضخضنا ولكل لكزة ترهبنا وأنه لم يبق لنا إلا الأسف على ما آلت إليه حياتنا من هوان…   وثانيهما أن الأمل مفقود في كل ما نراه، أكان معروضاً أمامنا أم مُقترفاً بغير علمنا، وأن الناجين ليسوا سوى القلةَ الواعية فوق الحدّ و »الشهيدةَ » محتكرةَ الألم الوجودي، المترعةَ بوعيها المطوَّق من كل الجهات الناويةِ بها شرا. تلك القلةَ المنتشية بيقينِ تَفَرُّدِها عن الأنام كفرقةٍ منتقاةٍ ناجيةٍ من تدفق الرداءات، القلة التي تُمثِّلُ مركز الوازع الأخلاقي وبَنْكَهُ المُقرض بلا فائدة…في حين تزيد بعض هذه الاجتهادات موضوعة « العقل المدبر » الذي يتحكم في كل شيء ويسيّر كل شيء ولا يترك للفرقة الناجية بالضبط إلا هامش الحزن والاحتجاج…   أنزعج كثيرا من منطق كهذا. لأنني بكل بساطة أثق في الجنس البشري وأثق في المغاربة وأظن أنني أملك نصيبا من معرفة مواطن الضعف والقوة، والشجاعة والجبن، وأعرف النضج الحكيم والادعاء الأخرق. وأؤكد جازما أن للمغاربة نصيبهم من كل هذا، كسائر البشر.   غير أن « الاستثناء المغربي » له تمظهرات غريبة.   إننا ندافع عن حقنا في حرية الاختيار وفي نفس الوقت نستجدي التدخل لصالحنا إن نحن سقطنا في ورطة، نلجأ إلى التجريح في الغياب وإلى المداهنة في الحضور، نغضب على عشائنا و »ننش » عليه، نبكي لأننا مهملون وننتظر التفاتة ممن نحن ناقمون عليه، نثور على آبائنا حين يظلموننا و »نسخط » على أبنائنا حين « يعصوننا »، نحنو على صغارنا آخر « حلاوة » ونشغل خادمات البيوت الصغيرات في بيوتنا دون أن يرف لنا جفن، نطلب لنفسنا حماية القانون و »نهرف » على حقوق الآخرين في أول مناسبة، نضرب زوجاتنا بلَكَماتٍ حقيقية بل ونهددهنَّ بشفرة السكين الحادة إن عصيننا ولا نفهم كيف لا يقلن لنا « أحبك »، « نجهل » إذا ضيّقت علينا سيارة على الطريق و »نـُبدع » في انتهاك قانون السير مباشرة بعد جهلنا الكلثومي (على منوال الشاعر عمرو بن كلثوم)، نغضب في صمت من ظلم رؤسائنا في العمل ولا نتردد في ممارسة « الحكرة » على من هم تحت سلطتنا… نعوم في مسالك الفايسبوك الافتراضية ولا نفهم كيف لا يطاوعنا الواقع المرير الذي لا يرتفع،   نتلكأ في العناية بتلاميذنا بل يحدث أن نكلفهم بإطعامنا صباح مساء، ولا نخجل من أن نقف في الصفوف الأمامية في الوقفات احتجاجا على حالة التعليم المزرية، نعرف أن زملاءنا في العمل يغشون ويتغيبون بلا سبب ونكون السباقين إلى الوقفات الاحتجاجية تضامنا معهم إن لحقهم قرار زجري عادل… كل من يكتب ويُقرأ له يمكن أن نعتبره ضمن النخبة المعبرة بالكتابة. وما دام الكتاب يكتبون فهم بمعنى ما ينتمون لهذه النخبة. ولا يمكن للنخبة أن تستمر في حالة الاهتزاز إما لمؤشر التشكي المزمن، أو لمؤشر انتظار « الهمزة » أو لحالة « النش » على عشاء تتجاهله وهي ترتعد من خطر فقدانه … ليس الهدف هنا اللمز من قناة أحد بعينه، وليس القصد هو التضييق على حق أحد في الكلام والكتابة. معاذ الله. لكن من الإيجابي ألا تختلط الأوراق وألا يندس أبْكـَمُ الأمس القريب بين المتحدثين كأن العي لم يعتوره، وألا يتقدم جبان البارحة صفوف المتحذلقين والمزايدين، كأن الجبن لم يقعده عن النطق يوم كان الضمير الجمعي يطلب نور الكلمات فلا ينز إلا النزر القليل… الشجاعة الحقة هي كذلك ألا نطمس الماضي بل أن نواجهه… بعد هذا الاستطراد، لنعد إلى الموضوع. مؤخرا كنت أتحدث عما ينتظر النخبة ومثقفيها من مسؤوليات وحاولت توضيح الأمر لأحد أصدقائي. عبرت بجملة جاءت على وزن الآية الكريمة قائلا: « لا تغير الدولة ما بمجتمع حتى يغير المجتمع ما بنفسه ». بمعنى أن القوى الفاعلة المتحركة في المجتمعات ونخبها لا بد أن تتصرف بقوة الزخم الذي يحركها وبإرادتها القادرة على خلق المعنى وتعبئة القوى من أجل سيادته، لأن دينامية المجتمعات هو ما يغذي تحول الدول، باستحضار منطق التاريخ. وبناء عليها فالنخبة لا يمكن أن تتصرف بمنطق البطولات الخارجة عن السياق. على النخبة أن تتصرف بمنطق الاقتراح لا بمنطق المَعْيَبَة، بمنطق التفكير لا الاجترار،   بمنطق الاجتهاد لا الكسل، بمنطق تحضير طبق اليوم لا لحس طبق الأمس، بمنطق التعبئة على الإيجابي وانتقاد السلبي لا استصغار الإيجابي والمناحة على السلبي، بمنطق التطلع للأفق المقبل لا بمنطق محاولة استرجاع أفق ولّى، بمنطق عالم يتشكل حولنا وأمامنا، لا بمنطق عالم يتلاشى خلفنا،   بمنطق الإرادة الوثابة السعيدة، لا بمنطق « الاستشهاد » المفتعل الحزين. بمنطق الحلم والأمل بعالم يُبنى لا بمنطق النفسية المتأزمة الجريحة التي تُلبس العالم جرحها قهرا لعل فيه شفاءها دون غيرها.   بكلمة، نعم لمنطق الاجتهاد شريطة أن يفضي إلى الاقتراح، نعم للجرأة على الفكر، نعم للنقد، شريطة أن يشمل النقد ذاتنا في لائحة مستحقيه، ولا لمنطق بطولة وهمية رافضة لكل شيء، وناكصة عن اقتراح أي شيء، لا لمنطق البطولة « الهزلية » لأنها خارج سياق التاريخ.            

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة