مناقشة لبعض أفكار الأستاذ العروي | فبراير.كوم | موقع مغربي إخباري شامل يتجدد على مدار الساعة

مناقشة لبعض أفكار الأستاذ العروي

  • مـــــريــــة   مــــكريـــم
  • كتب يوم الجمعة 06 ديسمبر 2013 م على الساعة 13:41

لم ينتبه الأستاذ العروي إلى أنّ الاقتراح الذي تقدم به من أجل تطوير اللغة العربية، بديلا عن التدريس بالدارجة والكتابة بها ـ الخيار الذي رفضه بغضب ـ هو أشبه باقتراح أكل البسكويت أو « كعب غزال » على من لم يجد خبز يومه، فمن الناحية الواقعية اعتماد الدارجة أسهل بكثير من إعادة النظر في نسق لغة محصّنة بمتارس دفاعية تشكلت عبر قرون طويلة.   ولأن المحافظين يتمتعون ببعض البراغماتية فقد آثروا قبول كلام العروي ظرفيا لأنه يساعدهم على التخلص من شخص عيوش المزعج، وهم يعلمون أن ما تقدّم به المؤرخ الكبير أبعد ما يكون عن أن يشبع نزعتهم التقليدية، فالمطلوب حاليا التخلص من فكرة الدارجة التي زعزعت بعض أركان المعبد القديم، وبعد ذلك يتفرغون للدفاع عن « لغة القرآن » وإفشال أية محاولة تجديدية لنسقها ومبناها اللسني الذي تمّ تركيبه منذ قرون على أساس نصوص دينية ثابتة.   لم يهتم الأستاذ العروي كثيرا بحقيقة المشكل، لأنه يريد تجنب المضايقات، ولكنه وهو يتفادى حقيقة المشكل لم ينبه الناس إلى التحديات الموجودة في الاقتراح الذي أدلى به، فهو يقرّ بوجود مشكل التواصل داخل أقسام الدراسة ولا يجد مندوحة من قبول فكرة عيوش بضرورة استقبال الطفل في السنوات الأولى من التمدرس بلغة الأم، لكنه يرفض الاستمرار في الكتابة بهذه اللغة لأنه يعتقد أن ذلك سيفصل الطفل المغربي عن التراث الأدبي العربي المكتوب ويتساءل عن تراث الدارجة المكتوب الذي ستدرس به، وعندما يصطدم بمشكل صعوبة النحو العربي بالنسبة للأطفال يدعو إلى عملية ثورية هي إعادة النظر في النسق اللسني للعربية وفي بعض ما يدرس للأطفال مما لا يتلاءم مع أهداف التربية في سنهم، وهو يدعو إلى ذلك بتحفظ لأنه يعرف مصير جميع الذين دعوا إليه خلال القرن العشرين من المفكرين والأدباء والمثقفين:   الجرجرة في المحاكم ودعوات التكفير والتهديد والإساءة، في هذه الحالة علينا أن نقبل بأن الأستاذ العروي يقرّ بوجود المشكل الذي يطرحه الدارجيون، لكنه يدلي باقتراح مثالي بعض الشيء، فهو يطعن في استعمال الدارجة وتدريسها دون أن يكون البديل الذي يقترحه ممكن التطبيق، على الأقل في المدى المنظور وفي إطار المجتمع الحالي الذي أفسدته النزعات المضادة للعلم، إذ لو كان ذلك ممكنا أي « تثوير » النسق اللسني للعربية ومعجمها لكان قد تحقق خلال القرن العشرين الذي شهد كل أنواع الهزات السياسية والاجتماعية والثقافية.   من جانب آخر إنني أتفق مع العروي على أن الدارجة المغربية لا يمكن أن تكون بديلا للعربية أو لغيرها من اللغات، كما أتفق معه على أن المكان الطبيعي للدارجة هو التواصل اليومي سواء داخل الأقسام الدراسية أو في الأسرة أو الشارع بجانب الأمازيغية اليومية، لكنني أختلف معه في قوله بعدم إمكان الكتابة بها، إذ أنّ كل لغة قابلة لأن تنتقل من الشفاهة إلى الكتابة، سواء داخل المؤسسة أو خارجها، دليلنا على ذلك التطور الكبير في الكتابة الشعرية الزجلية، وكذا تجربة الكتابة باللغة الأمازيغية التي انطلقت في السياق الحديث قبل أربعين سنة، وأنتجت اليوم جيلا جديدا من الكتاب بالأمازيغية قطعوا أشواطا بعيدة في تحديث النص الأدبي الشعري والنثري.   ولست أدري إذا كان الأستاذ العروي قد قرأ أو استمع سابقا إلى بعض شعراء « الزجل » المغاربة، ليكتشف مقدار التطور العجيب الذي حدث في هذه اللغة على أيدي مبدعين من الشعراء الكتاب الموهوبين الذين أصدروا دواوينهم مطبوعة، والذين تثير قراءتهم والاستماع إليهم متعة فائقة، حيث تنساب اللغة من بين شفاههم وأصابعهم مثل سبائك في غاية الجمال والجاذبية، ويظهر مقدار قدرة هذه اللغة على التعبير عن العواطف والمشاعر والأفكار والصور الأكثر تجريدا وتعقدا، مما جعلني أستغرب لقول الأستاذ العروي باستحالة كتابة نص من روايته « اليتيم » بالدارجة، وهو النص الذي قرأه في حواره مع جريدة « الأحداث المغربية »، بينما نجد أن هؤلاء الكتاب والشعراء والروائيين بالدارجة، ومنهم ادريس المسناوي وادريس بلعطار وأحمد لمسيح ومراد القادري ونهاد بنعكيدة ومراد العلمي (الذي يكتب الدراجة بالحرف اللاتيني) وكثيرين غيرهم، قد تجاوزوا مستوى النص الذي أورده الأستاذ العروي إلى آفاق أكثر عمقا. يدلّ هذا على أن من الصّعب الحديث عن ظواهر جديدة دون متابعتها ميدانيا عن كثب.   أما ما ذكره الأستاذ العروي من صعوبة قراءة الدارجة مكتوبة بالحروف العربية أو اللاتينية فهذا أمر طبيعي إذ لم يسبق أن تعلم ذلك في مدرسة، فهو يقوم بإسقاط وضعيته (باعتباره شخصا بالغا تمدرس بالعربية والفرنسية وكتب بهما طوال حياته) على الأطفال الصغار، وهو نفس ما يقع بالنسبة لحرف تيفيناغ الأمازيغي، حيث يقول الكبار إنهم يجدونه « غريبا » دون أن ينتبهوا إلى استحالة معرفة حرف لم يتم تلقينه لهم في المدرسة، بينما يتعلمه الأطفال ويتقنونه في ثلاث حصص.   لم أفهم كذلك كيف ربط الأستاذ العروي النقاش الحالي حول اللغات بـ »تقويض الوحدة الوطنية » وأتساءل إن كان لم يسقط في فكرة وهمية مفادها أن وحدة المغاربة تتوقف على لغة ما تحديدا، لأن التاريخ والواقع أثبتا وما زالا يثبتان أن تلك الفكرة علاوة على طابعها الجاكوبيني Jacobin لم تكن تخلو من مكر سياسي لأصحاب فكرة « العروبة الخالصة »، والذين أنزه الأستاذ العروي أن يكون منهم. لقد أصبحت لنا لغتان في الدستور، ولا يبدو أننا نجد بديلا عن وحدتنا الوطنية.   كما لم أستسغ قول الأستاذ إن الخصوصية المغربية « انعزالية وانغلاق »، فعندما أعطى مثالا عن الأدباء والكتاب الهولنديين الذين يكتبون بالهولندية والذين قال إنهم لا يعرفهم أحد بسبب لغتهم الهولندية لم ينتبه إلى أن فكرته لو تبنتها دول العالم لما وجد أدب فرنسي أو هندي أو صيني أو ياباني أو ألماني أو سويدي أو إيطالي أو إيراني إلخ.. ولقتلت كل هذه الشعوب نفسها ولغاتها وخصوصياتها من أجل اللغات الأكثر انتشارا في العالم ومن أجل الشهرة. والغريب أن الأستاذ العروي اعترف بأن هولندا من الدول الأوروبية العظمى والمتقدمة. ماذا نريد تحديدا نحن المغاربة، هل نريد أن نتقدم أم أن هدفنا أن نبقى مرتبطين بالشرق العربي ؟   أن يقول الأستاذ إن عربية القرآن « ليست فصحى » بل هي في « متناول الجميع » وأن القرآن « لا يحتاج إلى القواميس والمعاجم لفهم لغته » وأن العربية الفصحى هي الموجودة في « مقامات الحريري »، هذه التصريحات تطرح مشكلا حقيقيا، فالجميع يعرف أن عربية القرآن صياغة لغوية خاصة لا علاقة لها باللغة العربية المتداولة، فكم عدد الناس الذين يتكلمون ويقولون « فمن يوق شُحّ نفسه » أو « والعاديات ضبحا »، أو يفهمون هذه التعابير بدون اللجوء إلى القواميس والمفسرين؟   أشار الأستاذ إلى أن علماء الأمازيغ أمثال الحسن اليوسي والمختار السوسي كتبوا بالعربية ولولا ذلك لما عرفوا واشتهروا، لكن هؤلاء لم يكتبوا بالعربية من أجل أن يُعرفوا أو يشتهروا، كما أن شهرتهم لم تتعدّ المغرب، بل لأنهم اشتغلوا في إطار منظومة ثقافية دينية تربط المكتوب بالمقدس، فكانت العربية لغة الكتابة الوحيدة الممكنة بالنسبة للنخبة التقليدية، وكانت اللغات المحكية تبدو لهم أقل قيمة لأنها من « لغو العوام »، ولهذا لم يترك لنا الفقهاء الأمازيغ تدوينا للتراث الشفوي الزاخر الذي كان محيطا بهم، ما خلا بعض الكتابات الصوفية أو الدينية بالأمازيغية، حيث لم يكن الفقيه يتنازل عن موقفه من اللغة المحكية إلا عندما يحتاج إليها في عمله الديني.   وعندما ذكر الأستاذ العروي أن ما تفضل باقتراحه فيما يخصّ استعمال الدارجة في بداية التمدرس إنما يخصّ الناطقين بالعربية، أضاف قائلا « أما الناطقون بالأمازيغية فهذا شيء آخر ».. ولسنا ندري ما هو هذا « الشيء الآخر » الذي يراه حتى نناقشه فيه، لكننا على علم تام بالوضعية المزرية التي يعيشها الأطفال في الأوساط الأمازيغوفونية، حيث ترتفع نسبة الهدر المدرسي إلى 96 في المائة !

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة