بيت من ورق ووطن من كلمات | فبراير.كوم | موقع مغربي إخباري شامل يتجدد على مدار الساعة

بيت من ورق ووطن من كلمات

  • مـــــريــــة   مــــكريـــم
  • كتب يوم الثلاثاء 24 ديسمبر 2013 م على الساعة 23:47

أريد أن أعترف بداية بأنني أشعر بمزيج الحرج والرهبة، وأنا أشارك في هذا اللقاء التكريمي بمناسبة الذكرى الخمسين لتأسيس مؤسسة الدراسات الفلسطينية. مصدر الحرج هو أنني سأتحدث عن مجلة أعمل فيها منذ ثلاثة أعوام فقط، لكنني أشعر بأنها بيتي الفكري والثقافي منذ أن أجبرتني الظروف على مغادرة بيتي الأول في مجلة ‘شؤون فلسطينية’ في سنة 1979، أما الرهبة فهي رهبتي أمام الزمن. نصف قرن ونحن نحرر كتباً ومجلات ونكتب روايات، علماً بأن هدفنا لم يكن سوى تحرير فلسطين من الإحتلال وتحرير العالم العربي من الإستبداد، بحث مزدوج عن التحرير والحرية قادنا إلى حيث صنعنا لأنفسنا بيتاً من ورق ووطناً من كلمات. عن وطن الكلمات هذا سأتحدث اليوم، وهو الوطن الذي استنبطته الثقافة الفلسطينية والعربية، كإطار لمقاومة تغييب الوطن واندثاره المادي على يد الإحتلال الإسرائيلي، وتغييب المواطن وقهره على يد أنظمة الإستبداد العربية. وهو وطن شاسع وبلا حدود، لأننا لا نبحث فيه فقط عن هويتنا الوطنية الضائعة، بل نبحث أولاً عن هويتنا الإنسانية التي تتسع لهويات شتى، وتعطي المعنى لصرخة المقهورين والمغيبين والهامشيين في أن يعيدوا صوغ العالم العربي كي يصبح صالحاً للحياة، وتستعاد فلسطين ليس بصفتها حنيناً إلى الماضي، وإنما بصفتها مستقبلاً وأفق حرية. سمحت لي الظروف وأنا في الرابعة والعشرين من العمر بأن اتتلمذ على يد مثقفين كبار كأنيس صايغ وابراهيم ابو لغد وادوارد سعيد، وأن أرافق تجربة شاعرنا الكبير محمود درويش في ‘شؤون فلسطينية’ وبعدها في ‘الكرمل’. هناك في شارع كولومبياني المتفرع من شارع السادات، في المبنى الذي لا يزال شبه مدمّر بعد تفجيره في سنة 1983، انفتح أمامي أفق الكتابة، وتعرفت إلى ثلاث تجارب فذة أدت دوراً كبيراً في تشكيل وعيي السياسي والأدبي، غسان كنفاني شهيداً، و إميل حبيبي متشائلا ومحمود درويش حاملا للحلم وإيقاعات المعاني. لكن الزمن لم يسمح لي بأن أستكمل تلك التجربة، لأن السلطة، حتى إن كانت ثورة إليها انتمينا، لا تتسع لنبض الحرية الذي تشعله الكلمات فينا، فأخذني في دروب الصحافة والأدب، وسمح لي بأن ابدأ تجربتي النيويوركية مع ادوارد سعيد، الذي تعلمت ولا أزال أتعلم منه الكثير. كانت دروباً شاقة وممتعة وصعبة، لكن بيتي الفلسطيني الذي هجرته باختيار من لا يملك خياراً آخر، شكّل بالنسبة إليّ، متراسي في مقاومة الضغوط السياسية والمهنية، وازدراء الإغراءات المادية، الى أن وجدت نفسي أخيراً في بيتي من جديد. هنا في ‘مجلة الدراسات الفلسطينية’، تسنّى لي أن أرافق تجربة مجموعة من الأصدقاء الذين ساهموا ويساهمون في صناعة وعينا وكتابة تاريخنا. وليد الخالدي كبير المؤرخين الفلسطينيين ومؤسس التاريخ العلمي للنكبة، محاطاً بكوكبة نيّرة من الأكاديميين والباحثين في فلسطين والعالم، يتحدون غدرات الزمن ويواصلون البحث عن علاقة الحق بالحقيقة. طُلب مني أن أتحدث عن مجلة الدراسات، فلم أجد ما أقوله سوى أن المجلة تتحدث عن نفسها، فيها تجتمع أجيال متعددة من الباحثين والمعلقين والكتاب، الذين يتابعون صوغ وطن الكلمات بلغتهم الجديدة، في انتظار أن تتحول الكلمات إلى وطن. وهي تُحرر في بيروت، وتصدر في رام الله وبيروت في آن واحد، وتستقطب كتاباً وباحثين من الجليل والمثلث والضفة وغزة ولبنان والوطن العربي والعالم. لكنني أريد التوقف عند مسألتين: المسألة الأولى، هي معنى البحث العلمي في شروط مواجهة الكولونيالية. لا شك في أننا نسعى لتطبيق المعايير العلمية في اختيار الدراسات والمقالات التي ننشرها. ونحن في ذلك نطبق المقاييس نفسها التي سنّتها الجامعات ومراكز البحوث في العالم. لكننا نعمل في شرط مختلف له سمتان: هو أولاً شرط كولونيالي يقتضي من الباحث قدرة على الإنشقاق عن اللغة السائدة في العالم الأكاديمي وخصوصاً فيما يتعلق بمنطقتنا. صحيح أن ادوارد سعيد رسم ملامح هذا الإنشقاق في كتابه: ‘الإستشراق’، لكن المعركة لا تزال طويلة ومعقدة وصعبة. كيف نقاوم التزوير ‘الموضوعي’ لحقائق نعيشها كبديهيات، لكنها تتحول في اللغة السائدة الى مسلمات انتجها الفكر الكولونيالي وعلينا خلخلتها من جذورها؟ يواجه المثقف المناضل ضد الحالة الكولونيالية عزلته وسط صمت اللغة والتباساتها، لكنه يعرف أن موقعه يحتّم عليه أن يعيش الشروط نفسها التي يعيشها شعب محاصر بالأغلال، وأن امتيازات الإنتماء إلى عالم الثقافة يجب أن تكون في خدمة الحقيقة، حتى وإن كان ثمن ذلك هو التخلي عن هذه الإمتيازات. وهو ثانياً شرط معولم، تلعب فيه إغراءات المنظمات غير الحكومية التي تتبع في أغلبها أجندات مفصّلة على قياس تدجين الشرط الكولونيالي بمقتربات شتى، قد تكون تحمل في ظاهرها بريقاً تغييرياً. إن مقاومة هذا الإغراء موازٍ لمقاومة إغراءات الرشوة المباشرة، التي تفنن الإستبداد العربي في صنعها، بهدف جعل الثقافة والصحافة وسيلة لتعمية اللغة، وصولا إلى فصل المثقف عن مجتمعه، عبر تأمين شروط حياة تجعله أسير هذا الإنفصال. الجواب على هذين الشرطين يبدأ من الإيمان بفضيلة المعرفة، والثقة المطلقة بقوة الكلمة وقدرتها، وهي ثقة لا مرجع لها سوى معاناة الناس في بحثهم عن البقاء وفي إصرارهم على مقاومة الظلم والإستبداد. المسألة الثانية هي معنى فلسطين في الوعي العربي اليوم، في لحظة الإنعطافة الكبرى التي صنعتها الثورات الشعبية العربية ضد الإستبداد. ربيع عربي تلفه دماء الضحايا وغموض الأفق ومعاناة الحاضر. يكفي أن ننظر إلى عراء الموت الذي يواجهه مئات ألوف اللاجئين السوريين ومعهم ألوف اللاجئين الفلسطينيين من سوريا، كي نرى مآلات الجريمة التي استنبطها الإستبداد العربي. على عكس الرأي الشائع الذي يقول إن فلسطين تضمر في الوعي العربي، فإنني أرى أن فلسطين تتحرر من الإستخدام الإنتهازي لقضيتها الذي مارسه الإستبداد طويلا. ففلسطين هي صوت المقهورين والباحثين عن الحرية، لكن أنظمة الإستبداد حاولت، بنجاح نسبي في بعض الأحيان، تحويلها إلى سوط في يد الطغاة، وإلى لغة تبرر القمع وتضفي عليه صفات ‘قومية وممانعة’. تحرير فلسطين في الوعي العربي كي تكتمل معانيه ودلالاته يقتضي تحرراً فلسطينياً من القوقعة التي فرضها وعي فلسطيني شقي جعل من القرار الوطني المستقل، وهو شعار صحيح لأنه أخرج القضية من قبضة الأنظمة، معبراً إلى وهم السلطة تحت الاحتلال. المدى الجديد لعلاقة فلسطين بالوعي العربي، هو حقل شاسع يحتاج إلى إعادة رسم الأفق الإستراتيجي للصراع مع الكولونيالية الصهيونية باعتباره مدخلا لبناء الأمن القومي في المشرق العربي. فلسطين موعدنا وليست وعداً من أحد، إنها موعدنا مع أفق الحرية والتحرر. ومن أجل أن يكون لنا هذا الموعد بنينا في المؤسسة والمجلة وطنا من كلمات، صنعتها استقلاليتنا الكاملة، وقرارنا الواعي بأن نكون في خدمة الحقيقة، التي هي مدخلنا إلى التمسك بالحق. ألقيت هذه الكلمة في الندوة التي نظمها النادي الثقافي العربي في معرض الكتاب في بيروت، 16 كانون الأول/ديسمبر، في الذكرى الخمسين لتأسيس مؤسسة الدراسات الفلسطينية

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة