السيارات المفخخة والدستور

السيارات المفخخة والدستور

  • مـــــريــــة   مــــكريـــم
  • كتب يوم الثلاثاء 24 ديسمبر 2013 م على الساعة 13:23

    في ضاحية باريسية هادئة، وعلى مائدة إفطار رمضانية، وقبل يومين من الإعلان الرسمي عن وفاة ياسر عرفات، قال وزير خارجية أوروبي مخاطباً مسؤول فلسطيني: لا سبيل الآن لترتيب بيتكم الداخلي في حقبة ما بعد عرفات، الا بالتفاوض مع حماس وادخالها الى المشهد السياسي، لتجنب قدرتها الهائلة على تخريب، كل ما أفرزه اتفاق أوسلو. المسؤول الفلسطيني رد بقوله: لكن ”لكي نفاوضهم، لا بد من أن نضربهم »!!.    تذكرت هذا الموقف فور سماعي بخبر التفجير الدموي في الدقهلية بمصر. في العالم العربي مدرسة أمنية لا أعرف -وان كان ليس من الصعب أن أعرف- من أين تم استيرادها او استعارتها. العقليات التي تتلمذت في هذه المدرسة، ترى أن الحل السياسي أياً كان شكله أو مضمونه، لا بد أن يتفتق من بين خلايا الحل الأمني. وطبيعة الحل الأمني تختلف من مكان لآخر ومن ظرف الى آخر، الا أن المكون الأساس فيه هو دماء البشر وأرواحهم، والتي لا بد من أن تزهق وتهدر لايصال الرسائل السياسية المبتغاة بقوة ووضوح!!   في مصر فريقان يتصارعان، أحد الفريقين صاغ دستوره ويريد أن يضفي عليه صبغة القبول الشعبي. الدعوة للتصويت على هذا الدستور تتسم بالحدة التي يمكن ملاحظتها من الإعلانات في الشوارع وأبرزها شعار (نعم للدستور).  هذه الإعلانات كما يرى الدكتور محمد العشيري « تصادر حرية أفراد الشعب فى الإدلاء برأيهم بالموافقة أو الرفض بإرادة مطلقة، بل توجههم وجهة معينة، حتى وإن كان فى تلك الوجهة صالح البلاد. فإجراء استفتاء ما يعنى بداهة إعطاء المستفتين الحرية كاملة دون أى تأثير فى اتجاهاتهم، ليحددوا خيارهم دون تدخل »   هذه الإعلانات حسب ما لاحظ الدكتور العشيري تحاول أن تسوق الناس نفسيا إلى وجهة محددة تريدها الجهة التى فكرت فى الإعلانات ومولتها ووزعتها. لا شك أن الحكومة المصرية تعرف تلك الجهة، أو الأشخاص، الذين مولوا حملة نشر ذلك الإعلان، لأنهم لابد قد حصلوا على إذنها وموافقتها قبل توزيع اللافتات وتعليقها فى الشوارع.   والطريقة الصحيحة في التصويت الشعبي على مواد دستورية أو قوانين أو سياسات، هو أن نبرز المواد التى يريد من أفراد الشعب الالتفات إليها، فى إعلانات مختلفة، دون تدخل أو توجيه، أو مصادرة للآراء.    بيد أن الانقسام الواضح في المشهد السياسي المصري بجعل الاقبال الكبير على المشاركة في الاستفتاء على الدستور موضع شك كبير خصوصا اذا أخذ بعين الاعتبار الوضع الأمني غير المستقر بشكل عام. اذن الصراع لا ينحصر فقط في شرعية أو عدم شرعية الدستور المقترح، وانما في نسبة الالتفاف الشعبي حوله. ومن الطبيعي ن يفكر الطرفان في حسم هذا الصراع كل لصالحه. ويبدو منطقياً الاستنتاج بأن الجهة التي تقبض على مقاليد السلطة السياسية والأمنية قد فكرت بطريقتها في حسم الأمور لصالحها على هذه الجبهة. حادث دموي كبير، يوقع عشرات القتلى والجرحى، ضد هدف يراه الطرف الآخر مشروعاً أو واضحاً في خصومته له.  من هنا يمكن أن نفهم خروج رئيس الحكومة المؤقت حازم الببلاوي بعد دقائق من تفجير الدقهلية ليعلن أن الاخوان المسلمين جماعة إرهابية. الرسالة اذن اكتملت: هناك قتل ودماء كثيرة ستسيل، ومن يقوم بها او يخطط لها هم من يعارضون الدستور، والخيار أمام المواطن هو اما السيارات المفخخة والدماء والقتل، واما أن يتخلص من مرتكبي هذه الأعمال، وطريقة التخلص هي التصويت على الدستور!!   في العراق، ترسل الجهة الحاكمة يومياً عشرات الرسائل الى العراقيين السنة، والى الدول المعنية بالوضع العراقي، على شكل سيارات مفخخة تنفجر في الشوارع والأسواق.   وفي فلسطين، حاولت الأجهزة الأمنية وقادتها ومشغليهم الإقليميين والدوليين أن تبعث بمثل هذه الرسائل عبر ارتكاب مجازر متدحرجة في الحجم تبدأ من اغتيالات فردية، وتصل الى قتل على الهوية، وتدمير مؤسسات بمن فيها كما حدث في حرق واطلاق الرصاص والقذائف على الجوامع وعلى الجامعة الإسلامية وعلى مقر الحكومة والمجلس التشريعي الذي فازت في انتخاباته الجهة المنافسة.   هذه العقلية الأمنية المجرمة تستخدم القتل لتروج للسياسة، وعندما تجد أن لعبتها على وشك الانكشاف، تعمل على اخفاء الجريمة بمزيد من القتل.      هناك من يقف على خطوط التماس مراقباً لما ستتمخض عنه المباراة، لكنه انتظار المشارك بالتخطيط والتمويل وليس انتظار المحايد، فما يهمه في الواقع هو هزيمة كل من الفريقين!!   

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة