اللغات ليست مسئولة عن وضعيتها | فبراير.كوم | موقع مغربي إخباري شامل يتجدد على مدار الساعة

اللغات ليست مسئولة عن وضعيتها

  • مـــــريــــة   مــــكريـــم
  • كتب يوم السبت 21 ديسمبر 2013 م على الساعة 23:15

يميل الناس في النقاش العمومي الدائر حول اللغات إلى شخصنتها ومعاملتها كما لو أنها شخصيات مادية تتم محاسبتها على وضعيتها أو طبيعتها، وعلى مدى قدرتها أو عدم قدرتها على القيام بهذه الوظيفة أو تلك، بل هناك من يكيل لهذه اللغات الشتائم ويعاملها بالقذف والتحقير كما لو أنها شخصيات إنسانية مجسدة.   والحقيقة أن اللغات مرتبطة ارتباطا وطيدا بالخيارات السياسية للدول، وبطبيعة المجتمعات وبوضعية الإنسان ومستوى الفكر البشري واهتماماته. فالمسئول عن وضعية اللغات ووظائفها هو الإنسان، ومن تم لا يمكن محاسبة لغة ما على وضعية اختارها الإنسان المستعمل لتلك اللغة، فتحميل اللغة العربية مسئولية المشاكل التي تعاني منها لا يجوز، لأن ذلك لا يرجع إلى نقص في اللغة ذاتها بل إلى تقصير العقل الذي يستخدمها، وما دام هذا العقل مصرا على عدم مراجعة بديهياته المعرفية وأساليبه في العمل والتفكير فإن اللغة العربية لن تغادر أبدا وضعيتها المتأزمة.   نفس الشيء يقال عن اللغة الأمازيغية، فبعض المواطنين يعمدون إلى الانتقام البلاغي من الوضع الرسمي الذي أحرزت عليه هذه اللغة بنعتها بالقصور والسخرية منها، لكنهم لا ينتبهون إلى أنّ اللغة التي ظلت على هامش المؤسسات طوال 55 سنة باعتبارها محرّما سياسيا، لا يمكن أن تضطلع بمهام كثيرة، لأن تهميشها منعها من التطور. وهي ليست بحال من الأحوال مسئولة عما صارت إليه بعد هذه المعاملة المسيئة من أبنائها المغاربة. والدليل على ذلك أنها أنجزت خطوات عظيمة في بضع سنوات فقط من مأسستها. كما أن ربط اللغة العربية بالدين وبالفكر التقليدي منعها أيضا من التطور طوال القرن العشرين، رغم كل الإمكانيات التي وفرت لها، فاللغتان معا ليستا مسئولتين عن وضعيتهما، بل المسئول هو الإنسان المغربي وبالدرجة الأولى السياسات العمومية المتبناة من طرف المسئولين والحكام.   كانت العبرية أيضا لغة تعاني من التشتت اللهجي ومن الانمحاء السريع بسبب وضعية أبنائها من اليهود الذين ظلوا في الشتات قرونا طويلة، يعيشون ظروفا مزرية، ويعانون من كل أشكال الميز، ومن الطبيعي أن اللغة لن تكون إلا انعكاسا لما يعيشه أبناؤها، وكان يمكن للذين أسسوا الكيان الإسرائيلي عام 48 أن يقرروا تبني اللغة الانجليزية أقوى لغات العالم واعتمادها في كل شيء لوحدها، لكنهم اختاروا تهيئة وتطوير لغتهم الأصلية أيضا، كان القرار سياسيا، وكان تنفيذه بعمل إداري وعلمي حثيث ومكثف، انتقل بالعبرية من الشتات اللهجي إلى وضعية لغة الدولة. غير أن الإسرائيليين كانوا رغم ذلك واقعيين عندما خصصوا لغتهم الأصلية بوظائف معينة وأفردوا للإنجليزية وظائف أخرى لا تستطيع العبرية حاليا القيام بها. ماذا لو قال اليهود إن لغتهم حقيرة ولا تصلح لشيء، وأنها بطبيعتها لغة متخلفة ؟ إذن لكانت العبرية حاليا في وضعية اللغة المنقرضة.   على المغاربة إذن في إطار ترشيد النقاش العمومي أن يعتبروا كل اللغات متساوية من حيث قيمتها الإنسانية، لأنها تحتضن ثقافات وقيما وخبرات وتجارب إنسانية ثمينة، وأن يدركوا بأن تفاوتها في الرصيد أو التطور إنما يعود إلى مقدار تقدم أو تخلف الوضعية الإنسانية، وإلى مقدار العناية باللغات والحاجة إليها، وليس إلى طبيعتها.

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة