التكفير لا ينهي التفكير | فبراير.كوم | موقع مغربي إخباري شامل يتجدد على مدار الساعة

التكفير لا ينهي التفكير

  • مـــــريــــة   مــــكريـــم
  • كتب يوم الخميس 02 يناير 2014 م على الساعة 14:26

الإنسان كائن مفكر، أي أنه يتمتع بقدرة على تحويل وجوده الطبيعي إلى ماهيات عقلية، ثم عبر ذلك تدبير وجوده الواقعي وفق تخطيط وتصور ذهني، وقد يكون الفكر مصدر سعادة للإنسان عندما يبلغ به غاية السعادة في المعرفة والاكتشاف، وقد يصبح مصدر شقاء واستفزاز له عندما يتعب من البحث والسؤال، ويقرر النزول عند محطة يعتبرها نهاية المشوار ومنتهى الحقيقة. فيقصر جهده العقلي على تدبير تلك المحطة وترتيبها وتهيئتها لمقامه الأبدي، ويصبح غاية اهتمامه أن يحصّن فيها بيته الذي يوحي له بالطمأنينة والسكينة.   ولأن الناس يختلفون في قدراتهم على التحمّل وتجشم المشاق، فإن ثمة من لا يرى لرحلته من نهاية لاعتقاده بأن سرّ الحياة الخالد هو في السؤال وقلق المعرفة وحب الاكتشاف، ولإدراكه بأن الصور التي تكتسي طابع الحقيقة النهائية ما هي في الواقع إلا علامة على مرحلة، سرعان ما ينطلق بعدها الإنسان من جديد في استكناه المجهول. وليقينه بأن الوضعية الانسانية لا يمكن أن تقف عند حال، بل لا بد لها أن ترتقي في مدارج الكمال وتتجاوز ذاتها باستمرار نحو ما هو أفضل.   قد لا يثير هذا الاختلاف أي مشكل في حدّ ذاته، فمن حق من طال به المسار أن يستريح عند أول واحة، ويضع الرحال ويعطي عقله عطلة أو تقاعدا نهائيا. ومن حق من يقضّ مضجعه السؤال أن يحمل هيكله ويحث الخطى نحو أفق أرحب.   لكن الأمر لا يبدو بهذه السهولة. فالذي نزل عند محطة يعتقد أنها نهاية المطاف وغاية ما يمكن بلوغه، لا يمكن أن يصدّق إمكان وجود حقائق أخرى، كما لا يمكن أن يؤمن بحقّ غيره في المضي إلى الأمام، ولهذا سرعان ما يستبدّ به الغضب بسبب عدم اكتراث رفيقه بما بين يديه من حقائق، وطموحه إلى ما هو أسمى من ذلك وأصدق، فيصل به الغيظ والحنق حدّ أن يحاول منعه من المسير، وقد تبلغ المأساة غايتها فيعمد إلى طعن رفيقه من الخلف، حتى ينهي مساره رغما عنه، ويضع حدا لقلقه الوجودي، ويضع محل علامة استفهام نقطة النهاية.   ليس المشكل إذن أن نختلف في ملكاتنا وقدراتنا على استعمال عقولنا، ولا في اختلاف نظرتنا إلى الحياة وإلى معنى السعادة، وإنما المشكل أن يأبى بعضنا لبعض حقه في الاختيار، اختيار المصير واختيار نمط الحياة. وهو مشكل ينبع دائما من اعتقاد البعض بأن الحق هو ما بين يديه، وأن غيره يمثل حالة انحراف لا بد من « تقويمها ».   والحقيقة أن البشرية لم تصبح أكثر سعادة في القرنين الأخيرين إلا بعد أن سقطت المطلقات المفروضة بقوة الغلبة، ووجد الناس أنفسهم مضطرين ليكونوا أحرارا، أي قادرين على الاستمرار في المضي إلى الأمام نحو اكتشاف ذواتهم من جديد، بعد أن استيقظوا من وهم مزمن كان يرعاه الذين زعموا أنهم وسطاء بين البشر والآلهة.   ليس التكفير جريمة إلا بقدر سعيه إلى نفي الآخرين، أي إيقاف التفكير، إنه يحقق لصاحبه سعادة مؤقتة، إذ يشعر بنفسه وصيا على العالمين، لكنها سعادة لا تدوم طويلا ما دامت تنكشف دائما عن روح ضعيفة لا تقوى على تحمل وجود الغير، كما لا تستطيع البرهنة عن « ضلاله »، تماما كما هي وضعية من ينزل عند محطة ما دون أن يدرك ما يوجد في المحطة الموالية.   عندما نلقي وراءنا نظرة على القرون الماضية، نتذكر جميع الذين تم تكفيرهم، ولا نذكر أسماء الذين كفروهم، من يذكر مثلا مكفري جابر بن حيان أو الرازي أو ابن رشد أو علي عبد الرازق أو الكواكبي أو طه حسين، ومن يحفظ أسماء من كفروا فرج فودة أو خليل عبد الكريم أو محمد أركون؟ لا أحد بالتأكيد، لكن أسماء هؤلاء العلماء والمفكرين ظلت لامعة في تاريخ البشرية، لأنها أضافت إلى محطة أهل زمانهم خطوات جريئة.

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة