هل يحب الفريق السيسى الشّعر؟!

هل يحب الفريق السيسى الشّعر؟!

  • مـــــريــــة   مــــكريـــم
  • كتب يوم الثلاثاء 07 يناير 2014 م على الساعة 2:15

«أحس بحبك كحقل صغير يكبر فىّ.. وتنبت أوراقه حول حزنى تظلله من هجير الجراح   وأن أصبعى اشتبكت فى أصابع كفك.. تنمو الجذور وتمسك حقلى لئلا تبعثره دمدمات السيول وعصف الرياح   أحس بحبك يكبر فى داخلى كالجنين.. ويخبط روحى بكفيه لهوا ويملؤنى بالصياح   ولكننى خائف واثق أن هذا الزمان عدو لقلبى.. سأجلس ذات مساء أفكر فيك وبين ذراعى طفلى غفا واستراح   أفكر كيف يجىء ربيع ولا يتجاور قلبى وقلبك تفاحتين.. بغصن سعيد تجلى على الأرض عطرا وفاح   أرى فى البعيد شتاء أنا وحفيدى نسير معا فيفاجئنا مطر فأحدثه دونما سبب عنك.. أسمع صوتك من حولنا رفة من جناح   أرى كل شىء يمر أمامى أشاهد حلما جرى واختفى كالسناجب بين غصونى.. وأحكى له يا بنى لقد كان خطوا بديعا مشى بشوارع قلبى سريعا وراح.   أحس بحبك يرمى بحلم بعيدا فأركض أحضره ثم أركض أحضره بين سؤالين.. كيف سيظلم قبر عليك بدونى؟.. وكيف سأحيا- وحيدا- صباحا جميلا كهذا الصباح؟».   هذه القصيدة لو نسبتها إلى أحد كبار الشعراء العرب لما شك أحد فى نسبتها إليه، فهى بالغة العذوبة، حافلة بالصور الجميلة، تنم عن موهبة أصيلة وتمكن من أدوات الشعر، لكن الحقيقة أن صاحب القصيدة شاب سكندرى فى العشرينيات من عمره اسمه عمر حاذق. تعرفت إليه من سنوات وأعجبت بموهبته وقدمته فى ندوتى الأدبية وانعقدت بيننا أواصر الصداقة فعرفته شابا مثقفا رقيقا يتمتع بحس أخلاقى رفيع وشجاعة فى الدفاع عن الحق طالما جرّت عليه المشاكل. بالرغم من الفساد الذى يعشش فى مؤسسات الثقافة الرسمية إلا أن عمر حاذق استطاع بموهبته وحدها أن ينال التقدير المستحق، فتوالت شهادات كبار النقاد تشيد بموهبته حتى أصبح من أبرز الأصوات بين شعراء جيله، وبالرغم من صعوبة ترجمة الشعر إلا أن عمر حاذق استطاع بقصائده الجميلة أن ينال تقديرا عالميا، ففاز بالجائزة الأولى للشعر فى مهرجان الحب والعدل والسلام فى إيطاليا، ثم أصدر ديوانا مشتركا بعنوان «فضاءات الحرية» مع الشاعر البرتغالى تياجو باتريشيو والشاعر الإيطالى نيكى داتوما. لو كان عمر حاذق شاعرا فرنسيا أو إنجليزيا لاهتمت به بلاده ولتكاتفت أجهزة الدولة جميعا لكى ترعى موهبته، إذ إن الفنان فى نظر الدول المحترمة ثروة قومية يتم الحفاظ عليها بكل السبل، لكن عمر حاذق مصرى وفى مصر تتركز الأضواء على الطبالين والزمارين وتوزع المناصب على الخدم والشماشرجية، فلا يتبقى فى النهاية مكان لأصحاب الموهبة والكفاءة. اشترك عمر حاذق فى الثورة المصرية ووقف فى يناير 2011 فى مواجهة رصاص الشرطة وحمل على كتفه الشهداء والمصابين، ثم استأنف نضاله ضد الفاشية الدينية فاشترك فى 30 يونيو، التى أزاحت الإخوان عن الحكم. كما خاض حاذق معركة عنيفة ضد الفساد الإدارى فى مكتبة الإسكندرية، حيث يعمل موظفا، فتم التنكيل به وطرده من عمله، ثم عاد إلى وظيفته تحت ضغط من زملائه على إدارة المكتبة، وقام إسماعيل سراج الدين (مدير المكتبة، وأحد خلصاء سوزان مبارك) بإحالة عمر حاذق إلى المحاكمة بتهمة القذف والسب فى حقه، لكن القضاء النزيه قضى ببراءته. ما الذى يدفع شاعرا موهوبا إلى خوض هذه المعارك، ولماذا لا يتجاهل الظلم والفساد حوله ويعكف على نظم قصائده ليستمر فى إحراز النجاح وحصد الجوائز؟! الإجابة أن الفن فى جوهره دفاع عن العدل والحرية، فلا يمكن للفنان أن يدافع عن القيم الإنسانية النبيلة فى أعماله الفنية ثم يسكت عندما تنتهك هذه القيم أمام عينيه، وقد عرف تاريخ الفن مئات المبدعين الذين ناضلوا من أجل العدل والحرية ودفعوا ثمنا باهظا لمواقفهم. اليوم يدفع عمر حاذق ثمنا لموقف نبيل اتخذه. فى يوم 2 ديسمبر الماضى عُقدت فى الإسكندرية جلسة لمحاكمة قتلة خالد سعيد، شهيد إجرام نظام مبارك وأيقونة الثورة، ووقف عدد من شباب الثورة أمام المحكمة يحملون لافتات تطالب بالقصاص من قتلة خالد سعيد. فجأة راح ضابط يضرب أحد المتظاهرين بوحشية فحاول زميل له أن يدافع عنه، فما كان من الضابط إلا أن قبض على الاثنين وهنا تقدم عمر حاذق من الضابط وسأله:   – ماذا فعل زملائى لتضربهم وتقبض عليهم؟   اعتبر الضابط هذا السؤال انتقاصا من هيبته التى لا تتحقق، فى اعتقاده، إلا بإذلال المواطنين، فقبض على عمر حاذق وتمت إحالته إلى نيابة أمن الدولة بالتهم الآتية: «تخريب المنشآت، وتحطيم سيارات الشرطة، والاعتداء على الجنود والضباط، وإتلاف الممتلكات العامة، ومقاومة السلطات، والتظاهر دون ترخيص، وتكدير الأمن العام».   هذه الباقة من التهم الجاهزة- كما يعرف كل مصرى- يتم تلفيقها عادة لكل من يغضب عليه ضابط الشرطة. وكل من يرى جسد عمر حاذق النحيل لا يمكن أن يصدق أنه تحول بقدرة قادر إلى مارد عملاق بمقدوره أن يضرب عشرات الضباط والجنود بيد ويحطم سيارات الشرطة والمنشآت جميعا بيده الأخرى. يبدو أن السلطة اعتبرت عمر حاذق مجرما خطيرا فتم تقديمه مع زملائه إلى محاكمة عاجلة قضت بحبس كل منهم عامين وكفالة خمسين ألف جنيه.. أحكام القضاء بالطبع لها كل الاحترام ولا تعليق عليها، لكن حبس الشاعر الموهوب عمر حاذق يأتى فى سياق حملة منظمة ضد شباب الثورة، ويتضح الآن أن قانون التظاهر قد تم إصداره لكى تتمكن السلطة الانتقالية من قمع شباب الثورة وإخراسهم حتى يتعلموا أن عهد الاعتراض قد ولى بغير رجعة وعليهم أن يتقبلوا كل ما تقرره السلطة وإلا فإن السجن فى انتظارهم. حملة القمع باستعمال قانون التظاهر تتزامن مع حملة إعلامية مسعورة تقف وراءها جهات أمنية من أجل تشويه سمعة الشباب الثورى واتهامهم بالعمالة دون دليل واحد ودون تحقيق واحد، ولا أعرف كيف يحترم نفسه من يزعم أنه إعلامى وهو يذيع فى التليفزيون مكالمات شخصية أعطاها له ضابط أمن الدولة الذى يتولى تشغيله. إذا كان هناك اتهام جدى ضد أى مواطن فإن النيابة العامة تعطى الإذن بتسجيل مكالماته لتقديمها كدليل إدانة أمام القاضى وفى غير هذه الحالة فإن التنصت على أسرار الناس (فضلا عن إذاعتها فى التليفزيون) عمل غير أخلاقى ومجموعة جرائم يعاقب عليها القانون، لكن فلول نظام مبارك لا يهمهم قانون ولا أخلاق وإنما تحركهم شهوة الانتقام من ثورة يناير التى وضعت كبيرهم مبارك فى السجن، وهم يخططون من أجل استعادة السلطة التى أزاحتهم الثورة عنها، ولذلك فهم يجتهدون فى تشويه الثوريين وقمعهم. على أن حساباتهم خائبة وساذجة، فالذى صنع الثورة ليس عمر حاذق ولا حسن مصطفى ولا علاء عبدالفتاح ولا منى سيف ولا أحمد دومة، وإنما ملايين المصريين الذين واجهوا مبارك فى يناير 2011 وأجبروه على التنحى، ثم فرضوا محاكمته وسجنه.. لا أمل إذن فى تشويه الثورة لأن ملايين المصريين الذين صنعوها يذكرون جيدا ما اقترفه نظام مبارك من جرائم لم يحاسب أحد عليها حتى الآن. المؤسف أن التنكيل بشباب الثورة يتم فى وقت ننادى فيه بتناسى الخلافات السياسية لنقف جميعا صفا واحدا مع الجيش والشرطة ضد إرهاب الإخوان. واجبنا جميعا أن ندعم الدولة فى حربها ضد الإرهاب، ولكن للأسف فإن قطاعات من السلطة الحالية تمارس القمع والتشهير ضد أنبل من فى مصر. إن شباب الثورة هم الذين نزلوا فى يناير وتخلصوا من مبارك، ثم نزلوا فى 30 يونيو وتخلصوا من حكم الإخوان، هؤلاء الشبان الذين يتعرضون للتنكيل والتشويه الآن لم ينحنوا كالخدم أمام الهانم سوزان مبارك، ولم يشيدوا بعبقرية جمال مبارك، ولم يزينوا له وراثة حكم مصر وكأنها عزبة أبيه، كما فعل أصحاب الوجوه الكريهة المنافقة الذين عادوا للأسف ليتصدروا المشهد. كيف نقنع العالم أننا نقيم دولة ديمقراطية بينما الشاعر عمر حاذق يتم إلقاؤه فى السجن عامين كاملين لمجرد أنه تجرأ على سؤال الضابط:   – لماذا تضرب زملائى وتقبض عليهم؟!   أنا لا أخاطب هنا حازم الببلاوى أو حسام عيسى أو مصطفى حجازى أو زياد بهاء الدين أو سكينة فؤاد. هؤلاء جميعا أعرف إخلاصهم للثورة ونضالهم من أجل إرساء دولة القانون، لكن الواضح أن ثمة قرارات تفرض عليهم فلا يستطيعون رفضها. الأجدى أن أخاطب من عين هذه الحكومة واختار أعضاءها. الفريق أول عبدالفتاح السيسى الذى سيظل المسؤول الأول عن كل ما يحدث فى مصر حتى يتولى السلطة رئيس منتخب وحكومة منتخبة: يا سيادة الفريق هل من العدل أن يتم التنكيل بشباب الثورة الذين واجهوا الموت من أجل أن تكون مصر دولة محترمة؟! هل من المقبول الخوض فى الأعراض وتشويه سمعة الناس فى التليفزيون بغير محاكمة أو تحقيق؟! هل هذا جزاء من استجاب لندائك ونزل مع الملايين ليفوضوك فى معركتنا ضد الإرهاب؟! لقد نزلنا نحن المصريين فى 30 يونيو وتخلصنا من حكم الإخوان لنبنى الدولة الديمقراطية التى قامت من أجلها الثورة، لكننا قطعا لم ننزل من أجل استعادة دولة مبارك القمعية.. سيادة الفريق السيسى أرجو أن تقرأ قصيدة عمر حاذق، ثم تذكر أن صاحب هذه القصيدة محبوس الآن مع المجرمين والقتلة لمجرد أنه تجرأ ووجه سؤالا واحدا لضابط. فى عام 1968 اندلعت الاحتجاجات الطلابية فى فرنسا ضد الرئيس شارل ديجول، وكان الكاتب الفرنسى الكبير جون بول سارتر يحرض الطلاب ويوزع بنفسه المنشورات ضد النظام، عندئذ اقترح وزير الداخلية الفرنسى على الرئيس ديجول أن يتم اعتقال سارتر لفترة قصيرة حتى تتم السيطرة على الأوضاع.. عندئذ رد ديجول قائلا بغضب:   – «يستحيل أن أعتقل كاتبا بسبب آرائه، فرنسا يستحيل أن تعتقل فولتير…».   هل يحب الفريق السيسى الشعر؟ إذا كان يحب الشعر فهو بالتأكيد سينحاز إلى الحرية ويدافع عنها، وسيدرك بالتأكيد أن المصريين قاموا بالثورة حتى تتم معاملتهم باحترام، فلا يعتدى ضابط عليهم ولا يلفق لهم التهم ولا يقمعهم. إذا كان الفريق السيسى يحب الشعر فلن يسمح لفلول نظام مبارك الفاسدين بالعودة للسلطة، ولن يسمح بقمع الأبرياء، ولن يسمح بإهدار كرامة مصرى واحد، وسوف يعمل على إقامة دولة القانون التى يتمتع فى ظلها المصريون بحقوقهم الإنسانية.   هل يحب الفريق السيسى الشعر؟ الأيام القادمة ستكشف عن الإجابة.   الديمقراطية هى الحل

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة