سنة 2013 : اللغة والتعبير

سنة 2013 : اللغة والتعبير

  • مـــــريــــة   مــــكريـــم
  • كتب يوم الجمعة 10 يناير 2014 م على الساعة 11:10

كانت إشكالية اللغة والتعبير حاضرة بقوة في قلب أحداث 2013، فسواء تعلق الأمر بالسياسة أو بالاقتصاد أو بالاجتماع أو بالثقافة، فإن تلك الإشكالية قد احتلت الصدارة وشغلت مكانة هامة وبارزة في ساحة الوقائع التي عرفها المغرب خلال العام الذي ودعناه. وهكذا، شاهدنا اندلاع نقاش ساخن حول مقترح استعمال الدارجة كلغة للتعليم في المستوى ما قبل المدرسي والمستوى الابتدائي، عوض اللغة العربية الفصحى، وظهر أن هناك رفضا عارمًا وواسعًا، لهذا المقترح، يخترق فئات وشرائح متنوعة. ومع ذلك، فإن المدافعين عن الاستمرار في اعتماد العربية الفصحى كلغة للتعليم، لا يريدون إبقاء ما كان على ما كان، بل يطالبون، أيضًا، بإدخال تغييرات جوهرية على طريقة استعمال الفصحى، نفسها، ولا يرون مانعًا من اللجوء إلى الدارجة المحلية لتقريب العربية الفصحى من أذهان أطفال الروض. ولاحظنا أن الكثير من الأوساط بدأ يقدر، شيئًا فشيئًا، أن « العربية في خطر »، إلا أن المدافعين عنها لا يتحدون في ذات المنطلقات : فالبعض، منهم، يتحرك بخلفية دينية ويرى أن التشبث بالعربية الفصحى يمليه اعتبار ديني مادامت هي لغة القرآن؛ والبعض ينطلق من اعتبارات علمية تتعلق بما تحفل به الدعوة إلى اعتماد الدارجة من تناقضات وإشكالات وتبعية لمراكز نفوذ عالمية لا تحسن الإمساك بناصية المشكل اللغوي في خصوصيته المحلية؛ والبعض الآخر يقارب المسألة من الزاوية السياسية والحضارية ويخشى أن نقدم على خطوة قد تكون لها آثار وخيمة على وحدتنا الوطنية وعلاقاتنا بمحيطنا الإقليمي. وُيلاَحَظُ أن التقاطب لم يتحكم فيه التكوين الفرنكفوني أو العربي لطرفيه، فالمثقفون المصنفون على أنهم « فرانكفونيون » لم يكونوا، في عمومهم، أقل معارضة لمقترح نور الدين عيوش وأصدقائه، من غيرهم. وجـرى، هذه السنة، تغير أساسي في اللغة المستعملة من طرف رئيس الحكومة عبد الإله بنكيران.. لقد فقدت الكثير من وهجها الهجومي وحاولت التلاؤم مع الاختبارات القاسية التي يجتازها الرجل ومع كبواته وهزائمه وتنازلاته. لا أحد، اليوم في المغرب، يمكنه التصريح، بسهولة، بأن الحصيلة الحكومية لعام 2013 إيجابية ونوعية ومُطَمْئِنَةٌ وموافقة لالتزامات رئيس الحكومة حيال الشعب. نحن أمام رئاسة حكومة تجاوزتها الأحداث، تقريبًا، وقبلت بدمج مشروعها مع مشروع مجموعة الثمانية ومع مشروع التكنوقراط، وأغرقت البلاد في الديون، وأجلت الانتخابات، واعتبرت الدستور مجرد إعلان غير ملزم للنوايا، وفشلت في تدبير الحوار مع أطراف أساسية من نقابات وقضاة ومجتمع مدني..إلخ. لم يعد بإمكان بنكيران أن ينتج خطابًا مفعما بالتفاؤل، ولم يعد بمقدوره أن يجد الأسلحة الكافية لمواجهة لغة الأرقام التي تركبها تقارير المنظمات الدولية والتي تشير إلى تراجع تصنيف المغرب حسب مؤشرات التنمية. لا يمكن استخراج رقم أو رقمين صادرين عن الداخل لمواجهة الأرقام الصادرة عن الخارج، وهذا تحد جديد، أصبح يواجه طريقة بنكيران في الدفاع عن نفسه وعن تجربته، أُضيف إلى تحديات أخرى فرضت على الرجل أن يبحث عن مسوغات جديدة لتبرير تأخر المسلسل الإصلاحي وركود الوضع الاقتصادي. وهكذا أصبح الخطاب البنكيراني يحاول إقناع الناس بأن آثار الأزمة المالية العالمية ومآلات « الربيع » لم تترك له هامشًا كبيرًا للتحرك والمبادرة. لكن أي رجل دولة يجب عليه أن يتهيأ لكل الاحتمالات ويعد العدة لمواجهة كل الطوارئ، ومنها، مثلاً على الصعيد الداخلي، إقدام مجلس المستشارين على إسقاط مشروع الميزانية. وبصدد قضية الصحراء، نسجل أن اللغة الرسمية المستعملة، عادة، في التعاطي مع القضية، أُضيفت إليها اصطلاحات ومفاهيم جديدة نابعة من تدخل المجلس الوطني لحقوق الإنسان والمجلس الاقتصادي والاجتماعي (ولا ندري هل جاء ذلك بناء على إشارة من أعلى أم لا). لقد نجح المغرب الرسمي في استبعاد مقترح توسيع صلاحيات المينورسو، ولكنه أحس بصعوبة الحديث عن احترام حقوق الإنسان في الصحراء، ولهذا أصبح يلجأ إلى التصريح بأن حالات الخرق المسجلة في الشمال أكثر من حالات الخرق المسجلة في الأقاليم الجنوبية. وأبرزت قضية دانييل كالفان أن التعبير عن نقد قرارات القصر لم يعد محتاجاً إلى اتخاذ صبغة غير مباشرة، وأن الملكية تقدر، في مراحل معينة، ضرورة الرد بسرعة على غضب الشارع بواسطة بلاغات متوالية تحمل، ضمنياً، تعبيراً عن الاعتراف بوقوع خطإ وإجراء بحث وتحديد المسؤولية واتخاذ الجزاء وتصحيح الوضع. وبالتالي، فالملكية تعي ضرورة بذل مجهودات جديدة في صياغة اللغة التي ترى أنها الأقدر على الإقناع بصواب مواقفها وبتجاوبها مع هموم الشعب ومطالبه (النبرة النقدية الحادة للخطاب الملكي الذي تناول أزمة التعليم، وذاك الذي تناول مشاكل العاصمة الاقتصادية). إن صياغة خطاب، ملائم لشروط المرحلة، يقتضي، اليوم، أحياناً، بناء أسلوب في التعبير لا يكتفي بالاغتراف من لغة الماضي، بل يضيف إليها مفاهيم جديدة تراعي ضرورة مواجهة التحدي الذي يمثله وجود خطابات داخلية أخرى تمارس في ما بينها نوعاً من التنافسية وتسقط المزيد من الطابوهات وتـنبع من أفراد موجودين داخل الحقل الحكومي (بنكيران) أو الحقل الحزبي المشارك (أفتاتي – بوانو) أو الحقل الحزبي المعارض (عادل تشيكيطو) أو حقل المجتمع المدني (فؤاد عبد المومني) أو الحقل الصحفي (علي أنوزلا).. والذين تضامنوا مع هذا الصحفي كانوا يستحضرون، أولاً وقبل كل شيء، مواقفه النقدية الصريحة، ويعتبرون أن متابعته واعتقاله كانا بسبب تلك المواقف. إن اللجوء إلى القمع المباشر لحرية التعبير، رغم كلفته الغالية اليوم، يجد تفسيره في استشعار الحاجة، لدى السلطة، إلى إعادة ضبط « نظام » التعبير ولغة الكتابة لأن الكيل طفح، في نظرها. و إن تزايد الإلحاح على استعمال الاصطلاحات والصور البلاغية التي تعود إلى مرحلة ما قبل دستور 2011، في تغطية الأنشطة الملكية من طرف الإعلام العمومي، هو مؤشر على الرغبة في تحقيق نوع من إعادة الاعتبار إلى مؤسسة، يرى هذا الإعلام أن عددًا من أحداث الثلاث سنوات الأخيرة لم ينصفها بما فيه الكفاية. واختارت السلطة أن تعبر، من خلال التدخل الردعي، عن رغبتها في إخلاء الشارع من المظاهرات التي لا توافق عليها، واستمرت، من جهة أخرى، في التعبير عن احتفاظها بذكرى أليمة عن حركة 20 فبراير، ولذلك رتبت مسلسل محاكمات فردية لعدد من رموز الحركة بتهم متنوعة وفي مناطق متفرقة، محاولة إخفاء الطابع السياسي لتلك المحاكمات والتعتيم عليها، وساعدها في ذلك إهمال بعض مسؤولي المجلس الوطني لحقوق الإنسان متابعة تلك المحاكمات. إن منح جائزة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان إلى المناضلة خديجة الرياضي يعني أن الجمعية التي تنتمي إليها هذه المناضلة، والمعروفة براديكاليتها وخروجها عما يشبه إجماع الطبقة السياسية التقليدية، تتبنى لغة الصراحة الحقوقية وتطرح قضايا جوهرية وليست » هامشية » أو مفتعلة، وكل ديمقراطي لا يطرح تلك القضايا إنما يتهرب من تحمل مسؤولياته. وباشر الملك، عام 2013، نشاطًا خارجيًا مكثفا، قَدَّمَ الإعلام، بصدده، تصورات يمكن أن نستنتج منها وجود خصاص في التكامل بين كل من الدبلوماسية الملكية والدبلوماسية الحكومية والدبلوماسية البرلمانية واتجاه نية مختلف الأطراف، ربما، إلى استمرار جعل الحسم، في القضايا الخارجية الكبرى، ضمن المجال المحفوظ للملك. وبرزت الصلة بين الرياضة والسياسة على أكثر من صعيد، فالخطاب الإعلامي للسلطة حمل، بمناسبة تأهل فريق الرجاء لخوض المباراة النهائية لكأس العالم للأندية، لغة تحريض على الاحتفال والتنفيس، وهي تثبت وجود إدراك لعمق الاحتقان القائم. وظهر، خلال الجمع العام الانتخابي للجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، أن الانتخابات الرياضية تحمل عددًا لا يُستهان به من أعطاب الانتخابات العامة في المغرب. وكانت لغة تعاطي الخارج مع حدث الجمع ورفض الفيفا الاعتراف بشرعيته، ضربة موجعة لسمعة التدبير الرياضي المغربي؛ أما لغة الجماهير الرياضية فقد استعارت من مظاهرات 20 فبراير شعار (إرحل) الذي شكلته بأجسادها على مدرجات الملاعب بشكل بديع، مرفوقا باسم المسير الذي تطالب بذهابه. وخلدت جماعة العدل والإحسان الذكرى الأولى لرحيل الشيخ عبد السلام ياسين بلغة معبرة عن مد اليد إلى الآخرين، وهو ما يترجم اقتـناع الجماعة بأن القوة التنظيمية لا تكفي (رغم أنها تتراجع بعض الشيء) وأن التحالفات السياسية ضرورية. وأكدت الجماعة إطلاق لقب ممتوح من القاموس الشيعي، على زعيمها الراحل، وهو « الإمام ». ووصلت لغة التخاطب بين أطراف الأزمة الاستقلالية الداخلية إلى درك ينذر بإمكان حصول قطيعة. وبفضل شباط، دخل الحمار، لأول مرة، دائرة التعبير السياسي عن الاحتجاج، في الشارع العام، من طرف حزب سياسي، في عملية موجهة ضد بنكيران. ونظمت النساء، عبر تظاهرة ربيع الكرامة، عروضًا ساخرة في رسالة تنديدية بظاهرة العنف ضد النساء. وأشرك مسرح أكواريوم الجمهور الحاضر في استكمال عرضه المسرحي عن التحرش الجنسي. وانبعث، من جديد، خطاب التكفير ليواجه دعوات المساواة في الحقوق المدنية بين النساء والرجال، مشحونا بحمولة كبيرة من العنف تكشف عن الوضع المأزوم لأصحابه. واستطاع المجتمع المدني أن يجمع رموزًا ثقافية وازنة حول طاولة نقاش تناول قضايا التأسيس الفكري للانتقال. وحصد مفكرون وأدباء مغاربة جوائز عالمية. واعتمد الخطاب العمومي حول مهاجري جنوب الصحراء لغة جديدة ملؤها التسامح في واقع أقل تسامحًا. وتحول الاحتجاج على محاكمة بطلي « قُبلة الناظور » إلى استعراض للقبل في الفضاء العام. والخلاصة أن سنة 2013 شهدت، لدى مختلف الفاعلين، تحولات في حقل اللغة والتعبير، وبحثًا عن أشكال جديدة لإيصال الموقف والرسالة.

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة