صوتُنا.. فرصتُهم ليرحلَ الرَّبيع..

صوتُنا.. فرصتُهم ليرحلَ الرَّبيع..

  • مـــــريــــة   مــــكريـــم
  • كتب يوم الجمعة 10 يناير 2014 م على الساعة 1:33

نعرفُ أن من يمتلك شقة في باريس ليس كمن يطل من شرفة الحلم، ومن يمتلك إقامة فخمة في كل مكان، ليس كمن ليس له مكان، ومن يمشي على المرمر ليس كمن يفترش التراب، ومن يسرق كيس دقيق ليس كمن يسافر حُرّاً بأكياس العملة.     نحن مختلفون، نعرف ذلك، بل مختلفون جدا، وإن كنا نبدو متشابهين في لون العيون، أو نذهب معا للتصويت، أو نسكن تحت سماء وطن واحد.. نحن واعون بأننا مختلفون، لا داعي لأن تذكرونا بذلك، فهل يستوي الذين يملكون والذين لا يسكنون؟ نعرف الفروق بيننا، وأن هناك مواطنين يسكنون الوطن وكأنهم يقيمون في منجم ذهب أو محطة عبور سياحية، وآخرين يسكنهم الوطن حتى وهم يعبرون في قوارب الموت إلى أوطان أخرى.. ونعرف أن هناك من يغدق عليهم الوطن خيرا كثيرا ويهرِّبونه إلى بلدان أخرى، وأن هناك من يفنون عمرهم كدحا في بلاد الله الأخرى ويعودون إلى الوطن كل صيف محملين بالهدايا والعملة. نعرف كل شيء، لكن ماذا بعد؟ وماذا فعلتم لما عرفتم كسلطة تنفيذية وكحكومة منتخبة لتُقيموا الوزن بالقسط وتنصفوا شعبا أتعبه الإحساس بالغبن؟ نعرف القصة من أولها، نعرف من يمتلك شققا فخمة في عواصم العالم، ومن يسكن بيوتا من زجاج، ومن بنى قصورا في القمر.. لا تتعبوا أنفسكم بالتلميح بلغة الإشارات، نعرف الأسماء والعناوين، ونعرف من هرَّب ومن هرَب ومن تَهرَّب، لكن ماذا بعد؟ ماذا فعلتم غير التستر والتسامح والتنازل وتوظيف الملفات لتصفية الحسابات السياسية مع الخصوم؟ وماذا أعددتم، غير الكلام، لمحاسبة الفاسدين، وليكون أبناء الوطن الواحد متساوين في الحقوق وفي العيش الكريم وفي فرص الترقي والثروة؟  ماذا يفيدنا أن نعرف أن وزيرة سابقة من حزب يُعارضكم تمتلك شقة ومرأبا في باريس، فمثلها الكثيرون، بل غيرها يمتلكون أكثر، وتعرفونهم، وقد يكونون حلفاءً لكم أو أسيادا أو فوق المساءلة والقانون، لكنكم لا تجرؤون. ماذا سيفيدنا أن نعرف أن لكم ملفات تتسترون عليها؟ ولصالح من تتسترون؟ بل ماذا فعلتم لمَّا عرفتم؟ لا شيء.. اكتفيتم بالعفو عما سلف، وعقدتم صفقات سياسية تحت شعار «الاستقرار أولا»، ووضعتم يدكم في يد من كانوا في نظركم لصوصا، وبهجائهم أقنعتم ناخبيكم.. ولتذهب أصواتهم إلى الجحيم. ألستم أنتم من قلتم يوما: «صوتنا فرصتنا ضد الفساد والاستبداد»، فإمَّا أنكم أخطأتم التعبير، أو أننا أخطأنا الفهم، ربما كنتم تقصدون أن صوتنا سيكون فرصة لحماية الفساد والاستبداد من غضب الشعب، فبفضل شعاركم الكاذب رحل الربيع، وهدأ الشارع.. بل بفضلكم صار للاستبداد حماة شرسون، وأصبح للفساد حرَّاس ورِعون، ونظيفو اليد.. حرَّاس متسامحون يتسترون على من ابتلاهم الله، ويغيرون المنكر بلسانهم، أو يكتفون بأضعف الإيمان. أرجوكم، الصمت، سئمنا الكلام، فقدت لوائحكم وملفاتكم النكهة والطعم، لا نريد أن نعرف، لا يهمنا من يمتلك مأذونية حافلة أوعربة يجرها حمار، أو يحظى برخصة استغلال مقلع رمال أو عقد احتكار منجم غاسول، أو اشترى بالعملة المهربة «ﮔراجا» لسيارته بباريس.. لا نريد تشهيرا بالناس خارج العدالة والقانون، نحتاج منكم إلى قرارات شجاعة تضع حدا للريع والنهب، وتحقق المساواة والكرامة، وتؤسس لقواعد الديمقراطية والشفافية، وتبني دولة الحق والقانون. ما يؤرقنا، ليس أن يمتلك بعضنا شققا فاخرة في باريس.. ما يُغضبنا هو أن يكون على هذه الأرض مواطنون آخرون لا يمتلكون إلا البؤس، يموتون من الإهمال، ينامون على الرصيف، ويتكومون في أكواخ من صفيح.

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة