ماعندكش الحق

ماعندكش الحق

  • مـــــريــــة   مــــكريـــم
  • كتب يوم الأربعاء 05 فبراير 2014 م على الساعة 21:55

قصتنا مع الحكم والسياسة في المغرب هي قصة شخصين أولهما يقول للثاني « ماعندكش الحق »، فيرد عليه الثاني « ماعندكش الحق تقولي بأنه معنديش الحق » دون أن يحمل، هذا الأخير، نفسه عناء معرفة هذا « الحق ». فيجيبه الأول « ماعندكش الحق تقولي بأنه ماعنديش الحق نقوليك ماعندكش الحق » دون أن يكلف، هذا الأخير، نفسه عناء شرح « الحق » الذي يتحدث عنه منذ البداية. فيجيبه الثاني « عندي الحق نقوليك بأنه ماعندكش الحق تقولي معنديش الحق »، فيصبح موضوع الحديث « حق » ثاني غير « الحق » الذي يتحدثون عنه منذ البداية. وتستمر الحكاية دون أن نعرف لا الحق ولا صاحبه، ودون أن يتفق الطرفان في أي مرحلة من مراحل التنازع لأنهما أصلاً لم يتحدثا في أي مرحلة من المراحل عن نفس الشيء. و إذا كان الله سبحانه وتعالى قد رزقنا أذنين وفم وحيد، فلسبب واضح وهو وجوب السمع والإنصات قبل الحديث. وإذا كان الله قد رزقنا العقل وميزنا به عن كل الكائنات، فلسبب واضح وهو وجوب استخدامه لنتمكن من استعمال حواسنا أحسن استعمال. من يضن أنه يملك الحقيقة المطلقة في هذا البلد فهو واهم، لأن كل شيء نسبي والحكم على الأشياء يتغير مع تغير الظروف والمعطيات. ويبقى الشيء الوحيد المطلق الذي لا يتغير هو « القيم والمبادئ »، لأنها جزء لا يتجزأ من « المطلق الوحيد » (الله) الذي خلق هذا الكون وصوَره في أحسن صورة. ومن يريد أن يمارس الحكم والسياسة فيجب أن يفهم قبل كل شيء بأن العالم نسبي ولا شيء مطلق، وأن ممارسة الحكم مثلها مثل عملية حل معادلة رياضية معقدة. وحل المعادلات الرياضية يبدأ بتحديد مجموعة التعريف التي تؤطر وتحصر داخلها كل ما سينتجه برهانك، وبعد البرهنة تحصل على حلول ترضيك وسائرة المفعول فقط داخل مجموعة تعريفك (وليست هي بالضرورة الحلول الحقيقية الوحيدة). ثم بعد ذلك يثير انتباهك أحدهم لوجود خطأ في إحدى مراحل البرهنة، فتضطر لإعادة البرهان لتحصل على نتائج جديدة ترضيك (وليست هي بالضرورة الحلول الحقيقية). ثم ما أن تتغير مجموعة التعريف، حتى لا يبقى لنتائجك واستنتاجاتك أي قيمة. وهذا بالظبط ما يجب أن يحدث داخل اللعبة السياسية وما يجب أن يستوعبه الخطاب السياسي. فالحاكم هو المطالب بالبرهنة لحل المعادلة، والمعارض هو المطالب باليقظة والبحث عن الخطأ الذي يرتكبه الحاكم أثناء برهنته. وهدف الإثنان هو حل المعادلة (خدمة الوطن والمواطنين)، وإصدار أي حكم على البرهان يجب أن يأخذ بعين الإعتبار الفرضيات التي انطلق منها البرهان، لأنه بتغيُرها يتغير كل شيء. وبذلك نكون قد خرجنا من إطار المطلق، إلى إطار النسبي الذي يعطي لكل ذي حق حقه. يجب على السياسي أن يحدد في كل موقف المَعْلَمْ الذي يشتغل فيه وأن يحدد الأبعاد التي تؤطر عمله. لأن الهدف في الأخير هو تحديد مَعْلَمْ وحيد ثابث وأبعاد واضحة وثابتة للإشتغال تجعل قواعد اللعبة واضحة ومحدَدة. والمَعْلَمْ الوحيد والأبعاد الواضحة يحددها الدستور الذي ما زال إلى يومنا هذا حبراً على ورق. فكيف يمكن الإشتغال بلا أدوات؟ هذا هو السؤال والجواب : معندكش الحق. فاش وكيفاش وعلاش ؟ الله أعلم.

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة