دجلٌ عبر الأثير | فبراير.كوم | موقع مغربي إخباري شامل يتجدد على مدار الساعة

دجلٌ عبر الأثير

  • مـــــريــــة   مــــكريـــم
  • كتب يوم الجمعة 07 فبراير 2014 م على الساعة 11:57

لديكَ صفرةٌ في الوجه أو سوادٌ تحت العيون أو بنفسجٌ على الجسد؛ أناملك ترتعش وأطرافك باردة؛ إذن أنت مسحور وتمائم شفائك عندنا..   ضربَتك عينٌ عسلية أو مسَّك سحر عابر للأفئدة؛ تتعثر في مسار مُرتبك أو يلاحقك الحظ العاثر؛ فأنت محسود بلا شك وتعويذة السَّعد عندنا.. لم يطرق الخُطَّاب بابكِ؛ أو تراودكِ في النوم أحلام شبقية؛ فأنتِ مسكونة من طرف جني عاشق، والوصفة السحرية لطرده منكِ عندنا.. قلبك يخفق والنوم هجر عينيكَ منذ رأيتَ تلك المرأة السَّاحرة؛ ولا تفهم لماذا يزورك طيفها في الحلم؛ لا تقلق سيدي فلستَ بعاشق، أنت فقط، «مثقَّف» وتمائم الفكِّ من شراكها أيضا عندنا.. أما إذا كان عقلك لا يقدرُ على التسليم البليد بكون الفشل في الحياة والدراسة والعمل والعلاقات هو من فعل ساحر، ولا تقدر على تصديق قدراتنا العجيبة في إبطال السحر وعلاج كل الأمراض المستعصية؛ فأنت ببساطة كافرٌ.. معاني هذا الكلام لم أنقلها من كتاب تراثي قديم عن السحر في العصر الجاهلي، ولم أسمعها في حلقة دجَّال في سوق شعبي في قرية لم يصلها الكهرباء والمدرسة، هذه الرسائل السريالية تُبَثُّ هنا والآن في مغرب الألفية الثالثة، وتنشرها إذاعة خاصة ومعاصرة من خلال برنامج يومي تقدمه لنا منشطته الشابة على أنه إبداع ٌغير مسبوق في الإعلام الإذاعي والأول من نوعه الذي يتخصص في علاج الأمراض الروحية .. عجيب ! لم أكن أظن أن للروح أمراض، كنت أظن الروحَ هي البلسم الشافي والمصالحة معها هي السبيل إلى السمو بالعقل وموعد مع الله بدون وسيط أو أحجبة.. فاكتشفت من خلال هذا البرنامج السحري بأنها مرتع للفيروسات والجراثيم الفتاكة، وأطباؤها المتخصصون هم بشر خارقون قادرون على تشخيص أمراض الناس وتحليل نفسياتهم المكتئبة ووصف الدواء عن بعد، فقط، بمكالمة أورسالة هاتفية قصيرة ..  ما الجدوى من أجهزة التشخيص بالأشعة المغناطيسية والموجات فوق الصوتية، إذا كان لدينا عباقرة قادرون على رصد العلل بالسمع؟ ولماذا تبدِّر الدولة الميزانيات الضخمة على جامعات الطب وكليات الصيدلة واللقاحات والمستشفيات العمومية؛ وفي بلادي معالجون مدهشون لا يكلفون شيئا، يشفون المواطنين بالبركة من خلال عيادات إذاعية مفتوحة على الهواء مباشرة، ويهزمون أقوى الأمراض بخلطات الأعشاب الرخيصة وبالتمائم الغامضة وبالزيوت المقدسة وبالرقيات الشرعية.  لا أفهم صمتَ هيئات الأطباء والصيادلة ووزارة الصحة والهيئة العليا للاتصال السمعي البصري على هذا الدجل الإذاعي الذي يبخس من قيمة العلم، وينشر الخرافة والوهم، ويهدد صحة المواطنين ويضللهم بالمفاهيم والوصفات العلاجية الخاطئة، رغم أن المادة التاسعة من القانون 77.03 للاتصال السمعي البصري واضحة وتمنع صراحة البرامج التي من شأنها التحريض على نهج سلوك يضر بالصحة وسلامة الأشخاص…  لحسن حظنا أن علماء البلدان المتقدمة اخترعوا أجهزة الراديو تُسمع فقط، ولا تُستنشق، وإلا كنا فقدنا الوعي بروائح البخور وحرق الملح الحي والخرق البالية على مجامر السحرة والدجالين في البرامج الإذاعية.. أمام هذا العبث المسكوت عنه، أتساءل أحيانا لماذا كل هذا الصخب الكاذب حول شعارات الحداثة والتنمية البشرية ومجتمع المعرفة والثورة الرقمية في وطن نحكم شعبَه بالخرافة، ونروِّضُه على الطاعة بالغيبيات، ونُحَمِّل مسؤوليةَ بؤسه للأرواح الشريرة، ونفسر أسباب فقره بانحلاله الأخلاقي الذي أَخرَّ المطر، ونبرر مآسيه الاجتماعية والسياسية بعيون الحساد  وسحر الأعداء المنثور على عتبات الحدود.. ارحموا هذا الشعب الطيب من الدجل الإعلامي والسياسي، قبل أن يسكنه جني ثائر لن تنفع فيه تمائمٌ ولن تصرعه رُقْية شرعية ولا عصا غير شرعية.

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة