الحديث

الحديث

  • مـــــريــــة   مــــكريـــم
  • كتب يوم الإثنين 10 مارس 2014 م على الساعة 10:07

بينى وبين رجال «الأمن» عداء آلاف السنين، منذ نشوء النظام العبودى فى التاريخ، الذى عرف علمياً بـ«النظام الطبقى الأبوى»، وأصبح سائداً حتى اليوم باسم النظام الرأسمالى الديمقراطى الحديث، يقوم هذا النظام فى جوهره على الطغيان والحروب والتآمر والخيانة والكذب والتجسس والقمع البوليسى.   وقد عانيت، أنا نفسى، من هذا القمع فى حياتى الخاصة والعامة، حتى أصبحت أتوجس من كلمة «الأمن» وأشك فى كل من يتحدث باسمه.   لكن منذ يومين فقط (٧ مارس ٢٠١٤) ولأول مرة فى حياتى، أتفق مع رجال الأمن الذين منعوا النساء الفرنسيات والأمريكيات من دخول مصر، ومنها إلى غزة لحضور مؤتمر المرأة الفلسطينية هناك.   لم تحترم هؤلاء النساء القانون فى مطار القاهرة، وقاومن رجال الأمن للدخول بالقوة الى مصر حاملات الأعلام الفلسطينية، وكان الأجدر بهؤلاء النساء (إن أردن حقاً النضال لتحرير نساء فلسطين) أن يذهبن إلى غزة عن طريق إسرائيل، ويقاومن رجال الأمن فى تل أبيب وليس فى القاهرة.   وكم استخدمت قضية المرأة الفلسطينية من قبل بعض الحركات النسائية الأوروبية والأمريكية لضرب منظمات التحرير العربية والفلسطينية، وتصوير المناضلين ضد الاحتلال الإسرائيلى على أنهم وحدهم (دون رجال العالم) الذين يضطهدون المرأة أو يتحرشون بها. وقد عرفت الكثيرين من الفلسطينيين المناضلين خلال مؤتمرات الأمم المتحدة، وخلال تطوعى للعمل الطبى بالأردن مع الفدائيين (ومنهم ياسر عرفات وشقيقه الطبيب)، وكانوا فى نظرى أكثر وعياً بقضية تحرير المرأة من رجال أمريكيين وأوروبيين.   لكن النظام الرأسمالى الاستعمارى المخادع يستخدم النساء سياسياً وجسدياً كأداة من أدواته لتحقيق أهدافه، وترويج بضائعه فى السوق الحرة، والتجارة بالجنس وتعرية النساء فى الإعلانات والأفلام وغيرها من الفنون الحديثة، ومن أجل الحصول على المعلومات عن خصومه السياسيين يدفع المرأة إلى ممارسة الجاسوسية والجنس الخادع وجميع الأعمال المنافية للأخلاق.   يستخدم الإعلام الأمريكى المرأة وعواطفها من أجل ضرب خصومه، ومنها الخصم الروسى اليوم، نرى فى الصحف صور النساء الباكيات فى أوكرانيا وهن يودّعن أزواجهن الذاهبين إلى الحرب، توحى أمريكا للعالم أنها تتأثر عاطفياً بدموع النساء الأوكرانيات، أمريكا التى لم يطرف لها جفن وهى تقتل الملايين من شعوب العراق وأفغانستان وفيتنام واليابان وسوريا وفلسطين ولبنان وغيرها؟   يشجع الإعلام الأمريكى الأوروبى اليوم حركة نسائية متعددة الجنسيات تحمل شعار: «أنا أملك جسدى» تقوم عضوات الحركة بخلع ملابسهن كاملاً، والوقوف عاريات أمام الكاميرات.   سألتنى مذيعة من باريس منذ يومين عن رأيى فى هذه الحركة، وقلت إنها حركة تخدم السوق الحرة الرأسمالية أكثر مما تخدم حرية النساء، وإن امتلاك المرأة لجسدها لا يعنى أن تعريه أو تغطيه، فالتعرية والتغطية وجهان لفكرة واحدة تقول إن المرأة «جسد فقط» دون عقل، وهل يتعرى الرجل أو يتغطى ليقول إنه يملك جسده؟   النظام الرأسمالى يقوم على الاستغلال والاستعمار، ينهب حقوق الأغلبية الساحقة من البشر خاصة النساء والفقراء، يعتمد فى استمراره ونموه على الخداع الإعلامى والثقافى القائم على الإيمان الأعمى بثلاث أفكار رئيسية:   1- الله هو الذى خلق الغنى والفقير والرجل والمرأة.   ٢- الحرية تعنى الديمقراطية، وهى حرية السوق وصندوق الانتخابات.   ٣- الفلسفة النفعية (البراجماتية) هى الفلسفة العقلانية.   يشهد العالم اليوم، وما فيه من حروب ومؤامرات وأزمات اقتصادية واجتماعية وأخلاقية، أن هذه الأفكار الثلاث لم تعد تخدم إلا مصالح الطبقات الحاكمة فى كل بلد، وأغلبهم من الذكور من أصحاب البلايين المتاجرين فى السوق والبورصة والمضاربات المالية والأعمال التجارية.   شهدنا الثورات الشعبية خلال السنين الأخيرة فى بلادنا والعالم، أغلبها من الشباب والنساء والفقراء والعاطلين، ضد هذا النظام العالمى المحلى، بمثل ما شهد التاريخ القديم ثورات العبيد والنساء ضد العبودية.. الطريق إلى الحرية والعدالة طويل وشاق لكنه الطريق الوحيد.

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة